قال شيخ الإسلام:
القرآن وإن كان كله كلام الله، وكذلك التوراة والإنجيل، والأحاديث الإلهية التي يحكيها الرسول عن الله تبارك وتعالى، كقوله: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) [1] (الحديث) ، وكقوله: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) [2] ، وأمثال ذلك هي وإن اشتركت في كونها كلام الله فمعلوم أن الكلام له نسبتان نسبة إلى المتكلم به، ونسبة إلى المتكلم فيه، فهو يتفاضل باعتبار النسبتين، وباعتبار نفسه - أيضًا - مثل الكلام الخبري له نسبتان؛ نسبة إلى المتكلم المخبر، ونسبة إلى المخبَر عنه المتكلم فيه، فقل هو الله أحد، وتبت يدا أبي لهب، كلاهما كلام الله، وهما مشتركان من هذه الجهة، لكنهما متفاضلان من جهة المتكلم فيه المخبر عنه؛ فهذه كلام الله وخبره الذي يخبر به عن نفسه وصفته التي يصف بها نفسه و كلامه الذي يتكلم به عن نفسه، وهذه كلام الله الذي يتكلم به عن بعض خلقه ويخبر به عنه ويصف به حاله، وهما في هذه الجهة متفاضلان بحسب تفاضل المعنى المقصود بالكلامين.
ألا ترى أن المخلوق يتكلم بكلام هو كله كلامه، لكن كلامه الذي يذكر به ربه أعظم من كلامه الذي يذكر به بعض المخلوقات، والجميع كلامه فاشتراك الكلامين بالنسبة إلى المتكلم لا يمنع تفاضلهما بالنسبة إلى المتكلم فيه، سواء كانت النسبتان أو إحداهما توجب التفضيل أو لا توجبه، فكلام الأنبياء ثم العلماء والخطباء والشعراء بعضه أفضل من بعض، وإن كان المتكلم واحدًا، وكذلك كلام الملائكة والجن، وسواء أريد بالكلام المعاني فقط، أو الألفاظ فقط، أو كلاهما، أو كل منهما، فلا ريب في تفاضل الألفاظ والمعاني من المتكلم الواحد، فدل ذلك على أن مجرد اتفاق الكلامين في أن المتكلم بهما واحد لا يوجب تماثلهما من سائر الجهات.
فتفاضل الكلام من جهة المتكلَم فيه سواء كان خبرا أو إنشاء أمر معلوم بالفطرة والشرعة، فليس الخبر المتضمن للحمد لله والثناء عليه بأسمائه الحسنى كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون وإبليس، وإن كان هذا كلاما عظيما معظما تكلم الله به، وكذلك ليس الأمر بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت به الشرائع كلها وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة والنهي عن الشرك
(1) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، 4/ 1994، ح (2577) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: [ويحذركم الله تفسه] ، 6/ 2694، ح (6970) ، وصحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله تعالى، 4/ 2061، ح (2675) .