فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 451

وقتل النفس والزنا ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها وما يحصل معه فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع وإماطة الأذى عن اللقمة الساقطة والنهي عن القران في التمر ولو كان الأمران واجبين، فليس الأمر بالإيمان بالله ورسوله كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، والأمر بالإنفاق على الحامل وإيتائها أجرها إذا أرضعت.

ففي الجملة من المستقر في فطر العقلاء أن كلا من الخبر والأمر يلحقهما التفاضل من جهة المخبر عنه والمأمور به، فإذا كان المخبَر به أكمل وأفضل كان الخبر به أفضل، وإذا كان المأمور به أفضل كان الأمر به أفضل، ولهذا كان الخبر بما فيه نجاة النفوس من العذاب وحصول السعادة الأبدية أفضل من الخبر بما فيه نيل منزلة أو حصول دراهم فهذا نوع من تفاضل الكلام من جهة المتكلَّم فيه، وإن كان المتكلِّم به واحدًا.

وهو أيضًا متفاضل من جهة المتكلم به، وإن كان المتكلَّم فيه واحدا، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} ومعلوم أن تكليمه من وراء حجاب أفضل من تكليمه بالإيحاء وبإرسال رسول، ولهذا كان من فضائل موسى عليه السلام أن الله كلمه تكليمًا، وقال: {إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} ، وقال: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} .

فهذا نوع إشارة إلى قول من يقول بتفضيل بعض كلام الله على بعض موافقًا لما دل عليه الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة [1] .

الدراسة:

إن معرفة وجه التفاضل بين آي القرآن الكريم وسوره مما خفي وأشكل على المانعين من تفاضل القرآن الكريم، وهو مورد النزاع بين المثبتين للتفاضل، والنافين له على اختلاف مآخذهم في النفي، وبمعرفة وجه التفاضل وحقيقته يتحرر محل النزاع.

وقد حرَّر الشيخ هذه المسألة تحريرًا وافيًا في غير ما موضع، وبسط الكلام فيها بسطًا شافيًا.

فقد قرر الشيخ أن كلام الله، ومنه التوراة والإنجيل والقرآن والزبور، والأحاديث القدسية له نسبتان:

نسبة إلى المتكلِّم به، ونسبة إلى المتكلَّم فيه، فهو يتفاضل ويتماثل باعتبار النسبتين.

فالنسبة الأولى: هي نسبة المتكلَّم فيه، فالقرآن تتفاضل آياته وسوره باعتبار ألفاظها ومعانيها وإن كان المتكلِّم به واحدًا.

(1) مجموع الفتاوى (17/ 57 - 59، 209 - 210) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت