المبحث الرابع
المشترك والمتواطئ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
= ... فكذلك الأسماء المتفقة اللفظ قد يكون معناها متفقا وهي المتواطئة، وقد يكون معناها متباينا وهي المشتركة اشتراكا لفظيا، كلفظ سهيل المقول على الكوكب وعلى الرجل، وقد يكون معناها متفقا من وجه مختلفا من وجه، فهذا قسم ثالث ليس هو كالمشترك اشتراكا لفظيا، ولا هو كالمتفقة المتواطئة، فيكون بينها اتفاق هو اشتراك معنوي من وجه وافتراق هو اختلاف معنوي من وجه، ولكن هذا لا يكون إلا إذا خص كل لفظ بما يدل على المعنى المختص. وهذه الألفاظ كثيرة في الكلام المؤلف أو هي أكثر الألفاظ الموجودة في الكلام المؤلف الذي تكلم به كل متكلم، فإن الألفاظ التي يقال أنها متواطئة كأسماء الأجناس مثل: لفظ الرسول والوالي والقاضي والرجل والمرأة والإمام والبيت ونحو ذلك قد يراد بها المعنى العام، وقد يراد بها ما هو أخص منه مما يقترن بها تعريف الإضافة أو اللام كما في قوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [1] وقال في موضع آخر: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [2] فلفظ الرسول في الموضعين لفظ واحد مقرون باللام لكن ينصرف في كل موضع إلى المعروف عند المخاطب في ذلك الموضع فلما قال هنا: {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} كان اللام لتعريف رسول فرعون وهو موسى بن عمران عليه السلام ولما قال لأمة محمد: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} كان اللام لتعريف الرسول المعروف عند المخاطبين بالقرآن والمأمورين بأمرهم والمنتهين بنهيه وهم أمة محمد ^ [3] .
وقال أيضًا: = ... ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملًا للأمرين؛ إما لكونه مشتركًا في اللفظ كلفظ {قَسْوَرَةٍ} الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد، ولفظ {عَسْعَسَ} الذي يراد به إقبال الليل وإدباره، وإما لكونه متواطئًا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين أو أحد
(1) سورة المزمل، الآيتان: 15، 16.
(2) سورة النور، الآية: 63.
(3) مجموع الفتاوى (20/ 427 - 428) .