المطلب الأول
المقسم به في القرآن الكريم
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:"وهو سبحانه يقسم بأمور على أمور، وإنما يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته، أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته. [1] "
ويقول أيضا:"فالأقسام التي في القرآن عامتها بالذوات الفاعلة وغير الفاعلة. يقسم بنفس الفعل، كقوله: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} [2] ، وكقوله: {وَالنَّازِعَاتِ} ، {وَالْمُرْسَلَاتِ} ، ونحو ذلك. وهو - سبحانه - تارة يقسم بنفس المخلوقات، وتارة بربها وخالقها، كقوله: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [3] ، وكقوله: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [4] ، وتارة يقسم بها وبربها. وفي هذه السورة أقسم بمخلوق وبفعله، وأقسم بمخلوق دون فعله، فأقسم بفاعله. فإنه قال: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} [5] ، فأقسم بالشمس والقمر والليل والنهار، وآثارها وأفعالها، كما فرق بينهما في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [6] ، وقال: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [7] ، فإنه بأفعال هذه الأمور وآثارها تقوم مصالح بنى آدم وسائر الحيوان. وقال: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ، ولم يقل: [ونهارها] ولا [ضيائها] لأن [الضحى] يدل على النور والحرارة جميعًا، وبالأنوار والحرارة تقوم مصالح العباد. ثم أقسم بالسماء والأرض، وبالنفس، ولم يذكر معها فعلًا، فذكر فاعلها، فقال:"
{وَمَا بَنَاهَا} ، {وَمَا طَحَاهَا} ، {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} . فلم يصلح أن يقسم بفعل النفس، لأنها تفعل البر والفجور وهو سبحانه لا يقسم إلا بما هو معظم من مخلوقاته. لكن ذكر في ضمير القسم أنه خالق أفعالها بقوله: وَمَا سَوَّاهَا (7)
(1) مجموع الفتاوى 13/ 314.
(2) الآية 31 من سورة الصافات.
(3) الآية 23 من سورة الذاريات.
(4) الآية 3 من سورة الليل.
(5) الآيات: 1 - 4 من سورة الشمس.
(6) الآية 37 من سورة فصلت.
(7) الآية 33 من سورة الأنبياء.