المطلب الثالث
شروط التأويل الصحيح [1]
قال شيخ الإسلام:
ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى، وبصرف الكلام عن ظاهره؛ إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وإن سمي تأويلًا وصرفًا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه، ولموافقة السنة والسلف عليه؛ لأنه تفسير للقرآن بالقرآن، ليس تفسيرًا له بالرأي، والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين [2] .
وقال رحمه الله
إذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها رسوله، أو وصفه بها المؤمنون الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافى الحقيقة، لابد فيه من أربعة أشياء:
أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشئ منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلابد أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له، وإن لم يكن له أصل في اللغة.
الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازىّ بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة، فلابد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف. وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلابد من دليل مرجح للحمل على المجاز.
الثالث: أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض، وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصًا قاطعًا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلابد من الترجيح.
الرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف
(1) المراد بالتأويل هنا: صرف اللفظ عن ظاهره لقرينة صارفة وليس المعنيان اللذان قد تقدما وهما المعروفان في كلام السلف ولغة العرب.
(2) مجموع الفتاوى (6/ 21) .