النسخ الخاص الذي هو رفع الحكم فلا بد في الخبر عن أمر مستقر+ [1] .
ومعنى كلامه أن النسخ بمعناه الخاص أي في اصطلاح المتأخرين إنما هو رفع الحكم، وذلك إنما يكون في الخبر عن أمر مستقر، وكون النسخ هو رفع الحكم هو أحد معانيه عند المتأخرين من الأصوليين حيث اختلفوا هل هو بيان لانتهاء مدة الحكم، أو هو رفع له [2] .
والذين يرون أنه رفع عرفوه بأنه: =رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر+ [3] . وقولنا: =رفع الحكم+ جنس و=الشرعي+ فصل أخرج رفع المباح بحكم البراءة الأصلية، فإن رفعه بدليل متأخر عنه لا يسمى نسخًا، وخرج بقولنا: =بدليل شرعي+ النوم والغفلة والجنون والموت؛ لأن سقوط العبادة للعجز لا يسمى نسخًا، وخرج بقولنا: =متأخر+ الشرط والغاية والاستثناء نحو: صل كل الزوال إلى آخر الشهر، فإن هذا ليس برفع، وإنما هو بيان؛ لأن الحكم لم يثبت بأول الكلام، فكان بيانًا لاتصاله [4] .
وعرفه السيوطي بأنه: =الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله+ [5] . وهو قريب من التعريف السابق؛ لأن الحكم الذي أزيل أي نسخ لم يعد مطلوبًا فعله بعد رفعه وإزالته فيكون فعله غير جائز.
(1) الاستقامة (1/ 23) .
(2) أكثر الأصوليين على أن النسخ رفع، ومعناه أنه لولا طرو النسخ لبقي الحكم إلا أنه زال لطرو النسخ، وذهب الأستاذ أبو إسحاق وإمام الحرمين وكثير من الفقهاء إلى أنه بيان ومعناه: أن الخطاب الأول انتهى بذاته في ذلك الوقت ثم حصل بعده حكم، والدليل الذي يرد مبينًا للحكم الجديد يعرف بأنه بيان، وقد جمع السرخسي بين القولين حيث جعل النسخ بيانًا في حق الله تعالى ورفعًا في حق المكلفين، والخلاف في المسألة قيل: إنه مبني على مسألة خلاف بقاء الأعراض، فمن قال بأن العرض يقبل البقاء والدوام قال المنسوخ باق، ومن قال إن العرض لا يبقى زمانين قال الحكم ينتهي بذاته كما ينتهي العرض، وأنكر القرافي هذا البناء؛ لأن حكم الله خطابه القديم فيستحيل كونه عرضًا ولا مشاركًا للعرض في معنى وجودي لأنه سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته، ودوام حكمه بدوام تعلقه وانقطاعه بانقطاعه. ينظر: أصول السرخسي (2/ 54) ، تشنيف المسامع (2/ 858 - 859) ، سلاسل الذهب (ص 292) ، فواتح الرحموت (2/ 53) ..
(3) تحفة المسؤول (3/ 367) ، أما من رأى أنه بيان فقد عرفه بأنه: =بيان انتهاء مدة الحكم الذي في التوهم والتقدير بقاؤه+.
ومعنى هذا التعريف أن النسخ بيان لانقضاء زمن الحكم الأول؛ لأن الخطاب الأول يدل على أن الحكم مؤبد، والناسخ دل على انتهاء زمنه، فيكون النسخ على هذا القول يرجع إلى التخصيص في الأزمان.
ينظر: المعتمد (1/ 367) ، بذل النظر (ص 310) ، مذكرة الشنقيطي (ص 80)
(4) ينظر: المستصفى (ص 86 - 87) ، تحفة المسؤول (3/ 367 - 373) ، تشنيف المسامع (2/ 859 - 860) ، الغيث الهامع (2/ 433) ، فواتح الرحموت (2/ 53) ، مذكرة الشنقيطي (ص 79) .
(5) ينظر: الإتقان (2/ 41) .