كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر+ [1] .
ويقول الشاطبي في هذا المعنى: =وذلك أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخًا كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخًا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف وإنما المراد ما جيء به آخرًا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به، وهذا المعنى جارٍ في تقييد المطلق، فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده فلا إعمال له في إطلاقه بل المعمل هو المقيد فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئًا، فصار مثل الناسخ والمنسوخ وكذلك العام مع الخاص إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار فأشبه الناسخ المنسوخ إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقي السائر على الحكم الأول والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق، فلما كان كذلك استسهل لفظ النسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد+ [2] .
وقال السخاوي = فإن قولنا: نسخٌ وتخصيصٌ واستثناءٌ؛ اصطلاحٌ وقع بعد ابن عباس، وكان ابن عباس يسمي ذلك نسخًا+ [3] .
وقال: =وإنما وقع الغلط للمتأخرين من قبل عدم المعرفة بمراد المتقدمين، فإنهم كانوا يطلقون على الأحوال المتنقلة النسخ، والمتأخرون يريدون بالنسخ نزول النص ثانيًا رافعًا لحكم النص الأول+ [4] .
وقال الزركشي: = وما فيه من ناسخ ومنسوخ فمعلوم وهو قليل ... وأما غير ذلك فمن تحقق علمًا بالنسخ عَلِم أن غالب ذلك من المنسأ، ومنه ما يرجع لبيان الحكم المجمل ... وكل ما في القرآن مما يدعى نسخه بالسنة عند من يراه فهو بيان لحكم القرآن ... وأما بالقرآن ـ على ما ظنه كثير من المفسرين ـ فليس بنسخ، وإنما هو نسأ وتأخير، أو مجمل أُخِّر بيانه لوقت الحاجة، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره، أو مخصوص من عموم، أو حكم عام لخاص، أو لمداخلة معنى في معنى، وأنواع الخطاب
(1) إعلام الموقعين (1/ 35) .
(2) الموافقات في أصول الشريعة (3/ 108) .
(3) جمال القراء (1/ 247) .
(4) المصدر السابق (1/ 394) .