وقد اختلف العلماء في دخول النسخ فيه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن النسخ لا يدخل الخبر، وإلى هذا ذهب جماعة ونسبه بعضهم لأكثر المتقدمين [1] .
وقد استدلوا بأن نسخه يوهم الكذب إذ المتبادر منه إلى الفهم ليس إلا استيعاب المدة المخبر بها وإيهام الكذب قبيح [2] .
ونوقش: بأن هذا الاستدلال باطل؛ لأن استلزامه للكذب إنما هو في بعض الصور لا في كلها [3] .
القول الثاني: أن النسخ يدخل الخبر في هذه الحالات وإلى هذا ذهب الجمهور [4] .
وقد استدلوا على الجواز بأن الخبر إن كان عن أمر ماض كقوله: عمر نوحًا ألف سنة جاز أن يبين من بعده أنه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وإن كان مستقبلًا وكان وعدًا أو وعيدًا كقوله: لأعذبن الزاني أبدًا، فيجوز أن يبين من بعد أنه أراد ألف سنة وإن كان خبرًا عن حكم الفعل في المستقبل كان الخبر كالأمر في تناوله الأوقات المستقبلة فصح إطلاق الكل مع إرادة البعض لما تناوله بموضوعه [5] .
القول الثالث: لا يجوز ذلك في خبر الله وخبر رسوله، فأما ما أمرنا بالإخبار به فيجوز نسخه بالنهي عن الإخبار به وبه قال الباقلاني [6] .
وإلى هذا الخلاف أشار شيخ الإسلام في المسودة بقوله: =لا يدخل النسخ الخبر في قول أكثر الفقهاء والأصوليين وقال قوم يجوز ذلك، وقال الباقلاني: لا يجوز ذلك في خبر الله وخبر رسوله، فأما ما أمرنا بالإخبار به فيجوز نسخه بالنهي عن الإخبار به، قال ابن عقيل: هذا إنما يعطي إجازة النسخ في الحكم وهو الأمر والنهي+ [7] .
قال الصنعاني: =وتفصيل البحث أن الخبر إما أن يكون مما يتغير مدلوله كالإخبار بإيمان زيد وكفره أو مما لا يتغير نحو العالم حادث والباري موجود، والنار محرقة، فالنسخ هنا يكون بأمرين: الأول: أن يأمر الشارع بالإخبار بحدوث العالم أو بإيمان زيد، ثم ينهى عن الإخبار بذلك فهو جائز بلا خلاف، وهل يجوز النسخ إلى الإخبار بنقيض ما ذكر؟ منعه من قال بالتحسين والتقبيح لأنه أمر بالكذب وجوزه نفاتهما والتحقيق أنه لا يقع النسخ في
(1) ينظر: المسودة (ص 196) ، إرشاد الفحول (2/ 89) .
(2) ينظر: الإبهاج (2/) .
(3) ينظر: إرشاد الفحول (2/ 89) .
(4) ينظر: العدة (3/ 825) ، المسودة (ص 196) ، إرشاد الفحول (2/ 88) .
(5) ينظر: إرشاد الفحول (2/ 88) .
(6) ينظر: المسودة (ص 196) .
(7) المسودة (ص 196) .