لقد خلق الله الخلق موحدين، فإن آدم كان موحدًا، ولم يطرأ الشرك إلا بعد ذلك بقرون، وما ذلك إلا لكون الاعتقاد الصحيح إنما يؤخذ من الله؛ فإن الله أعرف بنفسه وما يجب له من خلقه، وما ضلت البشرية بعد ذلك إلا من مجافاتها لطريق الوحي _ وهو الطريق الوحيد الذي يجب أن تؤخذ منه العقيدة _، وهذه قصة نسيان التوحيد، يقول ابن عباس - رضي الله عنه:"كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين" (1) ، فمنهم من أخذ معتقده عن طريق الابتداع ومنهم من أخذ معتقده عن طريق التشبه بغيره من المبتدعة، ففي تفسير أول شرك حصل في البشرية وهو عبادة قوم نوح لود وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا، يقول الطبري _ رحمه الله _:"كانوا قومًا صالحين من بني آدم وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسقَوْن المطر فعبدوهم" (2) ، فكان هؤلاء الذين ابتدعوا وتشبه خَلَفُهم بهم، وانتشر الشرك، فما من انحراف في تاريخ البشر من لدن آدم عليه السلام إلا بسبب آفة أخْذِ العقيدة عن غير مصدرها الصحيح النقي وهو مصدر الوحي، بالابتداع أو التشبه بمن ابتدع في دينه.
(1) تفسير الطبري: 2/ 334
(2) تفسير الطبري: 29/ 99