لقد مر معنا آنفًا أن العبادة في اللغة هي التذلل والخضوع، ولذلك حرص الإسلام على عدم صرف أي نوع من التعظيم للمخلوق؛ حتى يصفو جانب العبودية لله رب العالمين، ولذلك لما مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلى بالناس قاعدًا وصلى الصحابة خلفه قيامًا: خشي أن يجلب لهم ذلك نوع تعظيم له كما يعظم الكفار ملوكهم ورؤساءهم، فقال: (( إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا ) ) (1) ، إلى هذا الحد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يبقى جانب العقيدة صافيًا لا تشوبه أي مكدرات، رغم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا ليعظموا أحدًا كتعظيم الله، بل كانوا في أشد أحوالهم تعظيمًا لربهم، وهو حال الصلاة التي هي شعار الذل والعبودية والتعظيم لله جل وعلا، فلم يرض لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعظموا غير الله خوفًا منه عليهم من أن يتشبهوا بالكفار، وحتى لا يكون في قلوبهم ذلة أو خضوع لغير الله، ولو كان هذا الذي يقام على رأسه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن يسجد لغير الله تعظيمًا له، ورجاء ما عنده من الخير، وما هو عسى أن يكون رأيه صلى الله عليه وسلم إذا رأى من يسجد لصاحب قبر من القبور، أو يقدم له نوعًا من الذبائح من أجل أن يشفي له مريضًا أو يرد له ضالة، أو يقضي له حاجة، إن هذا هو أخشى ما كان يخشاه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته حين نهاهم عن القيام على أئمتهم، ولذلك كان من كلامه صلى الله عليه وسلم: (( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد ) ) (2) .
(1) صحيح مسلم: 1/ 309، برقم: (413) .
(2) - موطأ مالك: 1/ 172، برقم: (414) ، وصححه الألباني، انظر: غاية المرام، ص: (98) ، برقم: (126) .