لقد مرت أوروبا بأيام يملؤها البوس والشقاء والحرمان، في ظل حكم الإقطاعيين والكنيسة، ولذلك لما ثارت أوروبا، كانت تضع نصب عينيها مبدأ الحرية الذي حرمت منه عدة قرون، ولكن ما هو عسى أن يَنشده أدعياء العلمانية في العالم الإسلامي، إن الكبت الذي عانت منه أوروبا لم يمر عشر معشاره على المسلمين، وإن مر على العالم الإسلامي نوع من أنواع الظلم فهو على نطاق ضيق، ثم لا علاقة له بالدين.
ربما كان يقع الظلم على بعض الأفراد من تسلط بعض الحكام ولكنه لا علاقة له بتنظير أو تقنين، لا من الشريعة ذاتها ولا من الحكام، فالشريعة الإسلامية لا تكتفي بالأمر بالعدل وتحريم الظلم (1) فحسب، بل تقدم نماذج واقعية من التاريخ الإسلامي رجع فيها الحق إلى أصحابه حتى لو كان الظالم أميرًا أو وزيرا ً، فتطمئن نفس المظلوم إلى أن الظلم الواقع عليه ليس إلا سحابة صيف ستمضي.
فما الذي يسعى إليه العلمانيون في العالم الإسلامي، إنه اللهث وراء الغرب، فإن كان الكبت الذي حصل للغربيين من جراء ممارسات الكنيسة أو الإقطاع داعيًا لهم لكي ينشدوا الحرية التي قد حرموا منها، فما هو الداعي لنقل مرض الكبت إلى بلاد المسلمين الذين عاشوا بعيدًا عن هذه الأمراض النفسية.
(1) كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى ألاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8) ، وقال: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسوفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا) (الكهف:87) .