كل هذا الإصرار من بعض المسلمين في الماضي والحاضر على الاعتماد على علم الكلام في جانب العقائد أدى إلى وقوعهم في التشبه بالكفار، وذلك من جهتين: من جهة الوسيلة ومن جهة الغاية (وهي النتيجة) ، فالوسيلة علم الكلام المأخوذ من عند الكفار، والنتيجة (1) : هي الوقوع في بعض العقائد المشابهة لعقائد الكفار، وكل ذلك فيما يتعلق بالغيبيات التي لا ينبغي أن تؤخذ إلا ممن يعلم الغيب (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ) (2) ، وهنا أعرض لذكر بعض تلك النتائج التي وقع فيها المتكلمون لما سلكوا هذا المسلك.
موقف أهل السنة والجماعة من إثبات الباري أنه يمكن أن يكون ذلك عن طريق تصديق النبي أو الرسول ولا يلزم أن يكون التصديق بإثبات الباري عن طريق النظر، ولا يشتغلون بإثبات وجود الله أصلًا إلا فيما يتعلق بجانب الرد على المخالفين من الملحدين، أو في مناقشة المتشككين؛ لأن المسألة عندهم فطرية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) ) (3) ، فلا يلزمون الناس بالاشتغال بإثبات وجود الله، إلا لمن وجد في نفسه شك من ذلك، أو كان في ذلك رد على المخالفين من الملحدين الذين ينكرون وجود الله أصلًا، وهنا مسألتين:-
(1) ومن هنا يبدأ الكلام عن أمثلة من مشابهة المتكلمين للكفار؛ لأنها هي النتيجة الحتمية للوسيلة التي اتبعوها وكانوا في غنىً عنها.
(2) سورة: (الأنعام: من الآية 59) .
(3) - صحيح البخاري: 1/ 465، برقم: (1319) ، ومسلم:4/ 2047 برقم: (2658) .