…ويخطئ من يظن أن التوحيد الذي أمر الله به هو توحيد الله بأفعاله فقط، دون توحيد العبادة له _ عز وجل _، وأن التوحيد الذي جاءت به الرسل هو توحيد الربوبية الذي هو توحيد الله بأفعاله، بأنه لا خالق ولا مالك ولا متصرف إلا الله، فإن هذا التوحيد مستلزم لتوحيد العبادة وهو فطري، ولم يكابر فيه كفار قريش ولا غيرهم من الكفار، إلا من شذ، وأما التوحيد الذي بدأ به الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم فهو توحيد الألوهية، وهو توحيد الله بأفعال العباد، بأن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (1) ، وقال: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (2) ، وقال: (إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ألاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ) (3) ، كل هذه الآيات تدل على أن التوحيد الذي جاءت به الرسل هو توحيد الإلهية، وإن كان توحيد الربوبية له مساس بالتوحيد الذي أمر به الرسل أقوامهم، كما سبق، فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، فمن عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا تضمن ذلك إيمانَه بأنه لا خالق ولا متصرف في الكون إلا الله.
(1) سورة: (النحل: من الآية 36) .
(2) سورة: (الأحقاف:21) .
(3) سورة: (فصلت: من الآية 14) .