…وأما المتكلمون فإنهم تأولوا بعض الآيات التي ورد فيها وصف الله عز وجل بصفات يرون أن إثباتها ينافي المسلمات العقلية، ويقصدون بالمسلمات العقلية تلك الحجج المنطقية اليونانية التي أثبتوا بها وجود الخالق، ثم طردوا على أساسها إثباتهم لصفات الخالق التي تتناسق مع تلك المسلمات المنطقية، وما تعارض معها من صفات الباري المثبتة في القرآن أولوه بدعوى تعارض العقل مع النقل.
…بل أسس الرازي قانونًا يسير عليه المتكلمون قال فيه:"إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية أو السمع والعقل أو النقل والعقل أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية أو نحو ذلك من العبارات، فإما أن يجمع بينهما وهو محال؛ لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يردا جميعًا، وإما أن يقدم السمع وهو محال؛ لأن العقل أصل النقل فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحًا في العقل الذي هو أصل النقل والقدح في أصل الشيء قدح فيه فكان تقديم النقل قدحًا في النقل والعقل جميعًا، فوجب تقديم العقل ثم النقل إما أن يتأول وإما أن يفوض" (1) ، وذلك لأنهم لم يتوصلوا إلى صدق القرآن والرسول إلا بعد ما توصلوا إلى وجود الخالق عن طريق المقدمات المنطقية التي كانت هي السبيل الوحيد إلى معرفة الحق عندهم، حتى إنه إذا تعارض معها القرآن وجب تأويله أو تفويضه.
…هذا غيض من فيض والمصاب الجلل أن تستمر عجلة التأويل في الدوران إلى عصرنا الحديث لتنحى منحى أكاديميًا، مع غض الطرف عن أصل علم الكلام، وعن آثاره على آيات القرآن؛ فالأصل من اليونان والأثر هو تأويل آي القرآن (2) .
المطلب الأول: إطراء النبي - صلى الله عليه وسلم - والاستغاثة به:-
(1) أساس التقديس للرازي:، نقلًا عن درء تعارض العقل والنقل، لشيخ الإسلام ابن تيمية: 1/ 4.
(2) انظر: مطلب علم الكلام، أصوله وآثاره في العصر الحديث.