، فاعتبر علم الكلام مصدرًا لإثبات العقائد الدينية، وهنا تكمن مغالطة هذا التعريف للواقع المحسوس؛ فهل يعتبر علم الكلام علم يدافع عن العقيدة الثابتة أصلًا؟ أم نعتبره هو نفسه مقررًا للعقائد الدينية؟ والواقع أن المتكلمين أخذوا هذا العلم على أنه أساس في تقرير العقيدة، ثم يستشهدون بعد ذلك بنصوص الشرع _ إذا كانت موافقة لما توصلوا إليه من نتائج كلامية _؛ فإنه لا يمكن أن نفسر نفيهم لصفات الباري جل وعلا الثابتة ثبوتًا واضحًا بالقرآن والسنة _ أو بعضها _ إلا بهذا التفسير (1) ، ويعضد هذا التفسير ما قاله الشيخ محمد عبده في سبب تسمية علم الكلام بهذا الاسم:"إما لأن أشهر مسألة وقع فيها الخلاف بين علماء القرون الأولى هي أن كلام الله المتلو حادث أو قديم؛ وإما لأن مبناه الدليل العقلي وأثره يظهر من كل متكلم في كلامه وقلما يرجع فيه إلى النقل اللهم إلا بعد تقرير الأصول الأولى ثم الانتقال منها إلى ما هو أشبه بالفرع عنها وإن كان أصلا لما يأتي بعدها؛ وإما لأنه في بيانه طرق الاستدلال على أصول الدين أشبه بالمنطق في تبيينه مسالك الحجة في علوم أهل النظر وأبدل المنطق بالكلام للتفرقة بينهما" (2) ، فبين أن استنادهم الأساسي إنما هو على الدليل العقلي وقلما يرجع فيه إلى النقل اللهم إلا بعد تقرير الأصول الأولى.
(1) المقصود بهذا التفسير: هو تفسير سبب نفيهم للصفات الثابتة بالقرآن والسنة؛ والسبب: أنهم جعلوا علم الكلام مصدرًا لتلقي العقيدة وليس مدافعًا عن العقيدة الصحيحة،_ مع ادعائهم بأن علم الكلام إنما هو لأجل الدفاع عن العقيدة الصحيحة فحسب _ كما سيأتي في سياق موقف العلماء من علم الكلام.
(2) رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده: ص: (5) .