وبالنظر إلى تعريف الفلسفة وعلم الكلام فإننا نلاحظ أن علم الفلسفة عام بالنسبة للوجود والحياة، وأما علم الكلام فإنه خاص بالعقائد الدينية، وإن كان في الأصل هو تطور عن الفلسفة، وعن الفرق بين الفلسفة وعلم الكلام يقول الباحث سليمان الغصن:"يمكن التفريق بينها وبين علم الكلام بأن الفلسفة تبحث فن الحقيقة، وسواء أصابها الفيلسوف حقيقة دينية، أو غير دينية، فهي بحث عن الحقيقة، أي حقيقة" (1) ، وفي شرح طريقة اختلاط هذين الفنين ببعضهما يقول صديق حسن القنوجي:"خلط المتأخرون من المتكلمين مسائل علم الكلام بمسائل الفلسفة لعروضها في مباحثهم وتشابه موضوع علم الكلام بموضوع الإلهيات ومسائله بمسائلها، فصارت كأنها فن واحد، ثم غيروا ترتيب الحكماء في مسائل الطبيعيات والإلهيات وخلطوهما فنا واحدًا قدموا الحديث في الأمور العامة ثم أتبعوه بالجسمانيات وتوابعها إلى آخر العلم، كما فعله جمعٌ من علماء الكلام وصار علم الكلام مختلطًا بمسائل الحكمة (2) وكتبه محشوة بها، كأن الغرض من موضوعهما ومسائلهما واحد، والتبس ذلك على الناس وهو غير صواب؛ لأن مسائل علم الكلام إنما هي عقائد متلقاة من الشريعة كما نقلها السلف من غير رجوع فيها إلى العقل ولا تعويل عليه (3) ، بمعنى أنها لا تثبت إلا به فإن العقل معزول عن الشرع، وما تحدث فيه المتكلمون من إقامة الحجج فليس بحثًا عن الحق فيها؛ فالتعليل بالدليل بعد أن لم يكن معلومًا هو شأن الفلسفة (4) ،"
(1) موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، للباحث سليمان الغصن: 1/ 22.
(2) يقصد الفلسفة.
(3) وهذا مما يشرح المغالطة التي وجدناها في تعريف علم الكلام، فلعل الكلام كان في الأصل كما عرفه الإيجي والقنوجي، ثم صار لا يعتمد النص في البداية _ كما صرح بذلك الشيخ: محمد عبده _ ويجعله بمثابة المؤيد لما توصل إليه العقل، بعد اتصاله بعلم الفلسفة، هذا محتمل، والله أعلم.
(4) وليس شأن علم الكلام.