تعبد" (1) ."
ومما يزيد من التغليظ في التحريم هو إخباره صلى الله عليه وسلم عن اليهود والنصارى بأنهم فعلوا ذلك، وتعقيبه على ذلك بالنهي، فمن اتخذ القبور مساجد فقد تشبه باليهود والنصارى الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل تشبه بهم في نفس الفعل الذي لعنوا من أجله، ألا وهو بناء المساجد على القبور، وكان ذلك ذريعة له إلى مشاركتهم في شركهم الذي وقعوا فيه، بسبب اتخاذهم القبور مساجد.
إننا لو ألقينا نظرة على أحوال العالم الإسلامي اليوم لوجدنا الحال يرثى لها، فإن من المسلمين أداروا ظهورهم لهذه الأحاديث السالفة الذكر، إما جاهلين أو متجاهلين أو متبعين لفتوى ضالة مخالفة لما نهى الله عنه ورسوله، فمنذ نشأة الدولة العبيدية في مصر _ والمتسمية بالفاطمية _ وهذه المساجد ممتلئة بهذه القبور، إما أن يكون المسجد بني على قبر، وإما أن يكون القبر قد جعل في المسجد بعد بنائه، ولقد كان لتساهل الحكام العثمانيين في هذا الباب بل وولعهم أحيانًا بالأضرحة والقباب أثر كبير في انتشار ذلك.
…ففي إسطنبول عاصمة السلطنة العثمانية كان يوجد (481) جامعًا يكاد لا يخلو جامع فيها من ضريح، أشهرها الجامع الذي بني على القبر المنسوب إلى أبي أيوب الأنصاري في الآساتانة (القسطنطينية) " (2) ، ولم تكن الدولة العثمانية تعتني بهذا الجانب من صيانة التوحيد، فكان إهمالها لهذا الجانب من أعظم الأسباب التي كانت وراء انتشار هذه القبور في المساجد؛ فقد كان اتجاه الدولة آنذاك اتجاهًا صوفيًا."
(1) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد، ص: (45) .
(2) - دمعة على التوحيد، المنتدى الإسلامي، ص: (27) .