المبحث الثاني:
مظاهر تأثر المسلمين بالعلمانية في الجانب العملي:-
تقدم في الفصل الأول من هذا الباب تعريف العلمانية، وأنها اتخذت شكلين: العلمانية الملحدة (اللادينية) ، والعلمانية التي تؤمن بوجود الله إيمانًا ظاهرًا وتحصر الدين في نطاق ضيق وتعمل على فصل الدين عن مظاهر الحياة، وكل ذلك نتيجة الصراع بين الإقطاع والكنيسة من جهة وبين الشعوب الغربية من جهة أخرى.
…إن العلمانية التي انتقلت إلى العالم الإسلامي، لم تعرف في العالم الغربي النصراني بهذا الاسم، ولكن لما دخلت العلمانية (Secularism) إلى بلاد المسلمين، عربت تعريبًا خاطئًا؛ فإن لفظ العلمانية ليس له علاقة بتعريفها وأصل هذا اللفظ باللاتينية هو الاسم: (secular) ، وهو يعني ثلاثة معاني: 1 - دنيوي، 2 - غير ديني، 3 - مدني (1) ، فكان الأولى أن تسمى بـ (اللادينية) ، وقد حاول دعاتها في المشرق محاكاة الغرب في اللادينية التي توصلوا إليها؛ فإن الأحداث التي وقعت في الغرب وأدّت إلى العلمانية، لم يكن لها نظير في العالم الإسلامي، ولذلك فالتعبير الأوضح والأقرب إلى الواقع أن نقول: (افتعلت) العلمانية في العالم الإسلامي؛ فإن العالم الإسلامي لم يمر يومًا من الأيام بنفس الظروف التي مر بها العالم الغربي ولم توجد العلمانية في العالم الإسلامي كردة فعل للشعوب الثائرة، بل افتعلت العلمانية بين المسلمين افتعالًا؛ فإن اسم العلمانية يوحي بأن السبب في مفارقة الدين والبعد عنه هو العلم المظلوم من الدين وهذا لم يحصل أبدًا في العالم الإسلامي منذ فجر التاريخ؛ فإنه لم يحصل ثَمَّ صدام بين علماء المسلمين وبين العلم التجريبي لدى الباحثين المسلمين، إذن فما هو الشيء الذي انتقل من الغرب تحت غطاء اسم العلمانية؟! إن الشيء الذي
(1) انظر: المورد القريب، إنكليزي - عربي، ص: (339) ، دار العلم للملايين، بيروت: 1993 م، وانظر: مبحث أثر العلمانية في التحاكم إلى غير الله من هذه الرسالة.