ولكن من قبل قال الإمام مالك:"لو كان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل" (1) ، فأما كونه باطلًا؛ فلأنه أُخذ عن الكفار، وقد استغنى المسلمون عنه في إثبات عقائدهم من قبل؛ فلم يكونوا ليأخذوها إلا من الكتاب والسنة (2) ، وأما أنه يدل على باطل: فهو من جهة ما جره علم الكلام من العقائد الفاسدة على وجه العموم، وأقول: على وجه العموم؛ لما أثبته علم الكلام من بعض العقائد الصحيحة مؤيدًا بذلك كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا يشفع ذلك له؛ فقد استغنى السلف من قبل عن هذا النوع من الإثبات العقلي، بالإثبات الذي جاء به القرآن والسنة الصحيحة، ثم جاء علم الكلام من بعد؛ ليثبت بعض العقائد الصحيحة بناء على المعقولات المستوردة، وبناء على نظريات مأخوذة من اليونان، ثم أدى الاعتماد على نفس تلك النظريات إلى نفي بعض العقائد الثابتة الأخرى؛ مجاراة لتلك النظريات بحجة أنها أثبتت بعض العقائد الصحيحة، ولو كان ذلك على حساب البعض الآخر من العقائد الإسلامية الثابتة بالقرآن والسنة الصحيحة، ولم يفرق الوحي بين هذه العقائد أو تلك بل أثبتها جميعًا من قبل، فما أشد غنى المسلمين عن علم الكلام! وما أشد تعلق بعضهم به! والله المستعان.
(1) - رواه الهروي في ذم الكلام، ص: (294) .
(2) - انظر: موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، للباحث سليمان الغصن: 1/ 101