وأما العقل الثاني فيعتبر عند الإسماعيلية"أصلًا ثانيًا مع العقل الأول ويأتي في الوجود والرتبة بعد السابق ولذلك أطلقوا عليه التالي؛ لأنه تلا العقل الأول في الأفضلية والوجود والأهمية وكثيرًا ما أطلق الإسماعيلية على هذا العقل (النفس الكلية) وطبيعتها عقلية محضة وهي أقرب الموجودات من العقول العشرة إلى عالم الكون والمخلوقات" (1) .
وممن تأثر بهذه النظرية: بعض الصوفية، يقول أحد المتصوفة في العصر الحديث:"نحن نعرِّف النفس أنها ناطقة، ولقد مُيِّزت النفس الناطقة عن النفس الحيوانية بالنطق، والنطق فكرٌ، فكون الإنسان إنسانًا وتميزه عن الحيوان إنما كان بسبب فكره. فالنفس كما قلنا صورة، والصورة فكر، والفكر إلهي. أفلوطين ذاته جعل أول الموجودات: العقل الأول، ووصف هذا العقل بأنه وجود. إذن أول الموجودات العقل وهو فكر. والنفوس الإنسانية أفكار، إذ لكل إنسان نفسه، أي صورته، أي فكره الخاص به، وأصل هذه الأفكار كلها الفكر الإلهي. فالنفوس كانت إذن أفكارًا في العقل الإلهي، ثم طبعت في صفحة الوجود المادي. فتشابهها حادث من قبيل كون الفكر فكرًا، والفكر واحد مع تشعب في الصور، إذ الأفكار الجزئية مدرجة في أفكار كلية، والأفكار الكلية مشتقة من فكر أول هو العقل الأول قلنا إنه الماهية. فكل النفوس كانت في الواحد فكرًا، ثم صارت في الكثرة كثرة، كل صورة، لها بالواحد المشع ارتباط، وهي بالتالي انعكاس لهذا الإشعاع. فالواحد موجود فيها كمصدر وهي محل للواحد باعتبار تجزئتها وبالإضافة فإن التعين يحمل في ذاته نورانية صافية مع قابلية للانطباع في المادة، ولهذا رأيت أن الصورة ستنزل إلى تحت، أي: ستفارق العالم النوراني المحض لتدخل العالم الظلماني، أي عالم المادة، وتنطبع فيه" (2) .
(1) أصول الإسماعيلية، د. سليمان عبد الله السلومي، ص: 2/523- 524.
(2) انظر: الإنسان الكامل محاورات في فلسفة الصوفية، لمحمد غازي عرابي، ص: (38) .