مسائل العمل قطعية وكثير من مسائل العلم ليست قطعية وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له كمن سمع النص من الرسول وتيقن مراده منه وعند رجل لا تكون ظنية فضلًا عن أن تكون قطعية؛ لعدم بلوغ النص إياه؛ أو لعدم ثبوته عنده؛ أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته وقد ثبت في الصحاح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث الذي قال لأهله إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله على ليعذبني الله عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين فأمر الله البَرَّ بردِّ ما أخذ منه والبحرَ بردِّ ما أخذ منه وقال ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، فغفر الله له (1) فهذا شك في قدرة الله وفى المعاد بل ظن أنه لا يعود وأنه لا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك، وغفر الله له وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع ولكن المقصود هنا أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع والعين ولهذا حكى طائفة عنهم الخلاف في ذلك ولم يفهموا غور قولهم فطائفة تحكى عن أحمد في تكفير أهل البدع روايتين مطلقًا حتى تجعل الخلاف في تكفير المرجئة والشيعة المفضلة لعلى وربما رجحت التكفير والتخليد في النار، وليس هذا مذهب أحمد ولا غيره من أئمة الإسلام، بل لا يختلف قوله أنه لا يكفر المرجئة الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل ولا يكفر من يفضل عليًا على عثمان، بل نصوصه صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم، وإنما كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول ظاهرة بينة ولأن حقيقة قولهم: تعطيل الخالق، وكان قد ابتلى بهم حتى عرف حقيقة أمرهم وأنه يدور على التعطيل. وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، لكن ما كان يكفر أعيانهم فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: 3/1283، برقم: (3292) .