عندما أرسل الله الرسل يأمرون الناس بعبادته وحده لا شريك له، أوحى إليهم بالشرائع التي تعبَّد الناسَ بها والتي رضيها لعباده، فعصيان الله فيما أمر به هو مما يغضبه، كما أن فعل ما نهاهم عنه هو مما يسخطه جل وعلا، كل ذلك من باب النقص والتقصير في حق هذه الشرائع، والزيادة على تلك الشرائع هو من الافتيات على الله جل وعلا فيما شرعه لعباده، فالله أعلم بما يصلح لعباده، ولو كانت هذه الزيادة خيرًا لكانت شريعة الله المنزلة أولى بها، ولذلك لما جاء عباد النصارى بالرهبانية (1) المبتدعة من عند أنفسهم ذمهم الله تعالى في كتابه الكريم حيث قال: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنجيل وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (2) ، قال ابن كثير:"وهذا ذم لهم من وجهين أحدهما الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله والثاني في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل" (3) ، ولم تكن الرهبانية مقبولة لدى جميع النصارى فإن منهم لم يقبلها ووجد فيها خروجًا عن تعاليم المسيح، يقول د. محمد أبو زهرة:"أنكر أولئك المصلحون لزوم الرهبنة التي يأخذ رجال الدين أنفسهم بها ويعتبرونها شريعة لازمة، يفقد رجل الدين صفته الكهنوتية أن تخلى عنها، ولقد رأوا ما أدى إليه ذلك"
(1) قال القرطبي:"والرهبانية والترهب التعبد في صومعة قال أبو عبيد قد يكون رهبان للواحد والجمع قال الفراء ويجمع رهبان إذا كان للفرد رهابنة ورهابين كقربان وقرابين"، تفسير القرطبي: 6/ 258.
(2) سورة: (الحديد:27) .
(3) - تفسير ابن كثير: 4 / 316.