ولم يكن الملوك وحدهم وراء اللعبة، إنما كان وراءها كذلك اليهود المتربصون لأية فرصة تسنح لهم للانتقام من النصارى الذين اضطهدوهم وأذلوهم على أساس أنهم تسببوا في صلب المسيح (1) . فلما قامت حركات تؤذن بتفريق كلمة النصارى وتشتيت سلطان الكنيسة، كان من صالحهم ولا شك أن يحتضنوها ويوجهوها خلسة أو علانية لتوسيع الشقة بينها وبين الكنيسة الأصلية، وكل فرقة - سواء قامت باسم الإصلاح أو بهدف الإفساد - هي في النهاية في صالح اليهود ما دامت لا تؤدي إلى إصلاح حقيقي! وإن صلة اليهود بالبروتستانتية بالذات لأمر معلوم لكل من يدرس تاريخ تلك الحركة، وإن أنكر تلك الصلة هؤلاء وهؤلاء! هكذا كان مولد القوميات في أوربا .. حركات إصلاحية مبتورة غير ناضجة، استغلها ذوو الأهواء لحسابهم الخاص، فأفسدوها وحولوها إلى اتجاه شرير" (2) ."
(1) يعلم المسلمون من القرآن أن المسيح عليه السلام لم يصلب، لقوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء:157 - 158) .
(2) مذاهب فكرية معاصرة للشيخ محمد قطب، ص: (560 - 561) .