قال شيخ الإسلام ابن تميمة في بعض فتاويه: الحديث النبوي هو عند الإطلاق ينصرف إلى ما حدث به عنه (بعد النبوة، من قوله وفعله وإقراره، فإن سنته ثبتت من هذه الوجوه الثلاثة ...
ثم قال: والمقصود أن حديث النبي (إذا أطلق دخل فيه ما قاله بعد النبوة، وذكر ما فعله، فإن أفعاله التي أقر عليها حجة، لاسيما إذا أمرنا أن نتبعها كقوله"صلوا كما رأيتموني أصلي" [1] وقوله"لتأخذوا عني مناسككم" [2] وكذا كل ما أحله الله له فهو حلال للأمة، ما لم يقم دليل التخصيص، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا} . [الأحزاب: 37] ولما أحل له الموهوبة قال: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} . [الأحزاب: 50] ، ولهذا كان النبي (إذا سئل عن الفعل يذكر للسائل أنه يفعله ليبين للسائل أنه مباح، وإذ قيل له قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال:"إني أخشاكم لله وأعملكم بحدوده" [3] .
ومما يدخل في مسمى حديثه (ما كان يقرهم عليه، مثل إقراره على المضاربة التي كانوا يعتادونها [4] ، وإقراره لعائشة على اللعب بالبنات [5] ، ولإقراره في الأعياد على مثل غناء الجاريتين [6] ، ومثل لعب الحبشة بالحراب في المسجد [7] .
قال: فهذا كله من مسمى الحديث، وهو المقصود بعلم الحديث، فإنه إنما يطلب ما يستدل به على الدين، وذلك يكون بقوله أو فعله أو إقراره، وقد يدخل فيها بعض أخباره قبل نبوته، وبعض السيرة قبل النبوة، مثل تحنثه بغار حراء [8] ، ومثل حسن سيرته لأن
(1) متفق عليه عند الشيخين.
(2) متفق عليه أيضًا.
(3) متفق عليه أيضًا.
(4) يعنى في زرع الرجل أرض أخيه، على أن يكون الربح لهما، أو نحو هذا.
(5) وهو في البخاري ومسلم، والمقصود في البنات، اللعب التي تتخذ للصغار يلعبون بها.
(6) يعني في الأعياد، كما في الصحيحين، وأن لا يكون في الغناء ما هو محرم.
(7) وهو في البخاري وغيره.
(8) والتحنث هو التعبد، وكان ذلك في أول الإسلام قبل نزول الوحي.