لاحظ هنا مطلب أبي هريرة .. وأن المخاطب هو أعلى الأنبياء وسيد الرسل. فلو كان الخير في توجيه أبي هريرة إلى الكدح في سبيل لقمة العيش لوجهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك ولكن استجاب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي هذا إشارة إلى أن الخير بالنسبة إلى أبي هريرة أن يعفى من كدح القوت ليتفرغ لكدح أعلى .. الكدح في سبيل العلم ونشر العلم، وإن كدح القوت أهون وأيسر كثيرًا من كدح العلم فليس أثقل على النفس من طلب العلم ولولا ذلك لكان جميع"الصعاليك"آيات وعلماء! بل أن العلماء، وليس"أدعياء العلماء"بينوا أن ما عند أبي هريرة مما لم ينشر لا يتعلق بالأحكام أو الآداب وليس مما يقوم عليه أصل من أصول الدين بل بعض أشراط الساعة أو بعض ما يقع للأمة من الفتن [1] ، ويدل على ذلك حديثه الذي ذكر بعضه لمؤلف الأمين!! ولم يذكر تعليق راوية الذي يبين قصد أبي هريرة قال أبوهريرة:"لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر. قال الحسن - راوي الحديث عن أبي هريرة: صدق، والله لو أخبرنا أن بيت الله يهدم أو يحرق ما صدقه الناس!!؟، وأبو هريرة ليس بدعًا في قوله فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يختص بعض أصحابه بأشياء دون الآخرين من هذا حديثه لمعاذ بن جبل رضي الله عنه:"ما أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار". قال: يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال:"إذا يتكلوا" [2] ، وأخبر به معاذ عند موته تأثما خوفا من أن يكون قد كتم العلم ولم يكن معاذ ولي عهده ولا خليفته من بعده فالأمر لا يحتاج إلى ولاية عهد ولا إلى وصاية فلم ينكر"الكاتب"مثل هذا على أبي هريرة رضي الله عنه ولا ينكره على غيره؟ ثم ليعرف المؤلف الذي أساء كثيرًا إلى أبي هريرة وشتمه وكال"
(1) راجع فتح الباري 1 227.
(2) فتح الباري 1 236.