فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 356

أم عقل المعتزلة؟

إنه لا يرضى جمهور طوائف المسلمين! فأي عقل ترتضون [1] .

إن حكاية عرض الحديث على"العقل"حكاية قديمة نادى بها بعض المعتزلة، ونادى المستشرقون حديثًا، وتابعهم فيها أحمد أمين، وضرب لذلك أمثلة من الأحاديث الصحيحة وهي في رأيه غير مقبولة للعقل. لئن كان يريد من العقل الصريح ما يقبله العقل من بدهيات الأمور، فهذا أمر واقع في تاريخ السنة النبوية، فقد وضع أئمة النقد من علماء الحديث علامات لمعرفة الحديث الموضوع منها: أن يكون متنه مخالفا لبدائة العقول وللمقطوع به من الدين أو التاريخ أو الطب أو غير ذلك، وعلى هذا نفوا آلافا من الأحاديث وحكموا عليها بالوضع.

ولئن كان يريد غير هذا مما يستغربه"العقل"فإن"استغراب"العقل شيئًا أمر نسبي يتبع الثقافة والبيئة وغير ذلك مما لا يضبطه ولا يحدده مقياس. وكثيرًا ما يكون الشيء مستغربا عند إنسان، طبيعيا عند إنسان آخر ولا يزال الذين سمعوا بالسيارة في بلادنا، أو استغربوها قبل أن يروها، لأنها تسير من غير خيول تقودها، في حين كانت عند الغربيين أمرا مألوفا عاديًا. والبدوي في الصحراء كان"يستغرب"ما يقولونه عن المذياع"الراديو"في المدن، ويعدّه كذبة من أكاذيب الحضريين. فلما سمع الراديو لأول مرّة ظن أن"الشيطان"هو الذي يتكلم فيه، كما يظن الطفل أن الذي يتكلم إنسان ثاو فيه.

(1) السنة للسباعي ص 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت