الثالث: وهو أوضحها إسلام جماعة من أبناء كبار رؤسائهم ومفارقتهم آباءهم قديما، فمنهم عمرو وخالد ابنا أبي أحيحة سعيد بن العاص، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل وعبد الله وأبو جندل ابنا سهيل بن عمرو وغيرهم. وآباء هؤلاء هم أكابر رؤساء قريش وأعزهم وأغناهم، فارقوا آباءهم وأسلموا.
فتدبر هذا، فقد جرت عادة الكتاب إذا ذكروا السابقين إلى الاسلام ذكروا الضعفاء فيتوهم القارئ أنهم أسلموا لضعفهم وسخطهم على الأقوياء وحبهم للانتقام منهم على الأقل لأنه لم يكن لهم من الرياسة والعز والغنى ما يصدهم عن قبول الحق وتحمل المشاق في سبيله.
والحقيقة أعظم من ذلك كما رأيت، إلا أن الرؤساء عاندوا واستكبروا، وتابعهم أكثر قومهم مع شدة تأثرهم بالاسلام، فكان في الشبان من كان قوي العزيمة فأسلموا
وضحوا برياستهم وعزهم وغناهم، متقبلين ما يستقبلهم من مصاعب ومتاعب، وبقي الاسلام يعمل عمله في نفوس الباقين، فلم يزل الاسلام يفشو فيهم حتى بعد هجرة المصطفى، ثم لما كان صلح الحديبية وتمكن المسلمون بعده من الاختلاط بالمشركين ودعوة كل واحد قريبه وصديقه فشا الاسلام بسرعة وأسلم في هذه المدة من الرؤساء خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وغيرهم، والاسلام يعمل عمله في نفوس الباقين.