والمعنى أن الله توفى عيسى ورفعه إليه وطهره من الذين كفروا.
وقد فسر الألوسي قوله تعالى"إِنِّي مُتَوَفِّيكَ"بوجوه منها - وهو أظهرها - إني مستوفي أجلك ومميتك حتف أنفك لا أسلط عليك من يقتلك، وهو كناية عن عصمته من الأعداء وما هم بصدده من ألفتك به عليه السلام، لأنه يلزم من استيفاء الله أجله وموته حتف أنفه ذلك.
وظاهر أن الرفع -الذي يكون بعد التوفية - هو رفع المكانة لا رفع الجسد، خصوصًا وقد جاء بجانبه قوله: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) مما يدل على أن الأمر أمر تشريف وتكريم.
وقد جاء الرفع في القرآن كثيرًا بهذا المعنى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) . (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) . (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) . (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) ... الخ.
وإذن فالتعبير بقوله (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) وقوله (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) كالتعبير في قولهم لحق فلان بالرفيق الأعلى وفي (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) وفي (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) وكلها لا يفهم منها سوى معنى الرعاية والحفظ والدخول في الكنف المقدس. فمن أين تؤخذ كلمة السماء من كلمة (إليه) ؟ اللهم إن هذا لظلم للتعبير القرآني الواضح خضوعا ًلقصص وروايات لم يقم على الظن بها - فضلًا عن اليقين - برهان ولا شبه برهان!
وبعد. فما عيسى إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، ناصبه قومه العداء، وظهرت على وجوههم بوادر الشر بالنسبة إليه، فالتجأ إلى الله - شأن الأنبياء والمرسلين - فأنقذه الله بعزته وحكمته وخيب مكر أعدائه. وهذا هو ما تضمنته الآيات (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) إلى آخرها، بين الله فيها قوة مكره بالنسبة إلى مكرهم، وأن مكرهم في