جهة أخرى، هو فعل حميم، متميز ذهنيا ووجدانيا وحركيا، وتواصل خاص مع القراء، يحمل دلالة من نوع خاص.
ويعتبر الإهداء، سواء أكان عاما أم خاصا، عتبة نصية مؤثرة، لا تنفصل دلالتها عن السياق العام لطبيعة النص الشعري أو السردي أو الدرامي، وعن أبعاده الإيحائية والمرجعية. ولهذا الاعتبار، يتصدر الإهداء النصوص، سواء أكانت سردية أم شعرية أم درامية، باعتباره أحد المداخل الأولية لكل قراءة ممكنة للنص. ويعني هذا أن النصوص الشعرية قد تحمل إهداءين: إهداء عاما موجها إلى جميع القراء بصفة كلية، وإهداء خاصا موجها إلى المهدى إليه. علاوة على ذلك، إذا كان المهدى إليه في إهداء العمل محدودا وثابتا ومقيدا بشخص معين، أو بالمتلقي العام، فإن إهداء النسخة متعددا ومتغيرا، فكل نسخة موجهة إلى متلق خاص باسمه، ومكتوبة بكلمات شاعرية رقيقة خاصة به، ومؤشرة بالتوقيع في الزمان والمكان، ويعبر هذا الإهداء عن فطرية العمل وعفويته وطبعه وسجيته، وخاصة إذا كان الإهداء مكتوبا بقلم أو خط المؤلف نفسه. وإذا كان إهداء العمل يرتبط بظهور المطبعة، فإن إهداء النسخة قديم بقدم الكتاب نفسه. وهذا ما يثبته تاريخ الكتاب في الثقافة العربية، فكان المؤلفون أو الناسخون يهدون كتبهم إلى شخصيات عامة أو خاصة، تحمل في طياتها توقيعهم واسم المهدى إليه، قبل أن تظهر المطبعة بقرون عدة.
وعليه، فالإهداء عتبة نصية لاتخلو من قصدية، سواء في اختيار المهدى إليه (إليهم) ، أم في اختيار عبارات الإهداء ... وفي هذا السياق، يمكن التمييز بين نوعين من المهدى إليهم: الخاصين والعامين، ويقصد بالمهدى إليه الخاص (Le dedicataire prive) شخصية إما معروفة، وإما غير معروفة لدى العموم. ويهدى إليها العمل باسم علاقة شخصية: ودية أو قرابة أو غيرهما ...
أما المهدى إليه العام أو العمومي (Le dedicataire public) ، فهو شخصية أكثر أو أقل شهرة، ويبدي المؤلف نحوها العمل لعلاقة سياسية، أواجتماعية،