ولا ننسى كذلك سيميولوجية القراءة مع رولان بارت التي اهتمت بالقارئ والقراءة ولذة النص، واعتبر بارت أن الناقد الجديد ليس سوى قارئ، فما عليه إلا أن يعيد إنتاج النص مرة أخرى، وينبغي للمؤلف أن ينسحب ليحل القارئ محله. فالنقد - إذًا- في نظره قراءة، وميلاد القارئ مرتبط بموت الكاتب. ومن هنا، يتألف النص"من كتابات متعددة، تنحدر من ثقافات عديدة، تدخل في حوار مع بعضها البعض، وتتحاكى وتتعارض، بيد أن هناك نقطة يجتمع عندها هذا التعدد. وليست هذه النقطة هي المؤلف، كما دأبنا على القول، وإنما هي القارئ: القارئ هو الفضاء الذي ترتسم فيه كل الاقتباسات التي تتألف منها الكتابة، دون أن يضيع أي منها، ويلحقه التلف. فليست وحدة النص في منبعه وأصله، وإنما في مقصده واتجاهه. بيد أن هذا الاتجاه لم يعد من الممكن أن يكون شخصيا: فالقارئ إنسان لاتاريخ له، ولا حياة شخصية، ولا حياة نفسية. إنه ليس إلا ذاك الذي يجمع فيما بين الآثار التي تتألف منها الكتابة داخل نفس المجال". [1]
هذه -إذًا- أهم النظريات حول القراءة والقارئ، وتبيان لدورها في انبناء النص واستهلاكه، والتلذذ به، وإعادة إنتاجه. وقد تكون القراءة منغلقة أومنفتحة، حسب مرجعيات القارئ الثقافية وظروفه النفسية والاجتماعية.
على الرغم من تلك النداءات التي تدعو إلى موت المؤلف، واستبداله بالنص والقارئ، فإنها تظل نداءات بلا صدى، وتحمل في طياتها ثغرات منهجية، وتصورات لاتشفي الغليل، ولا تشبع العقول، ولا تقنع النقاد والباحثين بأي حال من الأحوال. فالنقد الأدبي عملية متكاملة، عليها أن تلم بجميع جوانب النص الأدبي، من مؤلف، ونص، وقارئ، وواقع. وأي إقصاء لعنصر من هذه العناصر يجعل العمل الوصفي ناقصا ومختلا، تعوزه الموضوعية، والإحاطة الشاملة، والاستقصاء العلمي الدقيق. ومن ثم، فإننا نميل إلى استغلال منهج متكامل، يراعي جميع عناصر النص الإبداعي من ملحقات موازية
(1) - رولان بارت: نفسه، ص: 87.