وإذا كانت المقدمة فعلا إنتاجيا ذاتيا، فالتقديم هو إنتاج غيري. أما التمهيد والمدخل، فعلاقتهما بالبحوث الوصفية والعلمية أكثر من علاقتهما بالآثار الإبداعية. وقد يحمل الخطاب المقدماتي عنوانا هوياتيا خاصا به أو عاما، يدل على مضامينه وأشكاله، أو يكون غفلا منه.
وتمتاز المقدمة أيضا بكونها نصا افتتاحيا نثريا وخطابيا، يتموقع في بداية الكتاب، أو في وسطه كما هو حال رواية (تريسترام شاندي لشتيرن(Sterne ) ) ، أو في نهايته، أو قد يكون جزءا لا يتجزأ من المتن، كما هو شأن أغلب المؤلفات الكلاسيكية إبان اليونان والرومان والعصور الوسطى، أو قد تكون بمثابة فقرة استشهادية فوق ظهر الغلاف الخارجي الخلفي. بيد أن المقدمة لا تكون دائما نثرية وصفية، فقد تكون مقدمة إبداعية: إما شعرية، وإما درامية، وإما سردية، تتوافر فيها المقومات القصصية: من حبكة، وتزمين، وتفضية، وأسلبة.
وعليه، فالتقديم هو جنس أدبي حديث، يحيط بالنص من الداخل، وهو بمثابة عنوان استهلالي مدخلي، يعلن الإبداع، ويعرفه، ويحدد مرتكزاته الأساسية، ويبين خصائصه البنيوية، ويوضح رؤية المبدع للعالم، فيبرز تصوره الفلسفي للوجود، ثم يستعرض مفهوم الكاتب حول ماهية الإبداع، ووظيفته، وعناصره. ويعني هذا أن التقديم خطاب فوقي بامتياز. وبالتالي، فهو عبارة عن قراءة عنوانية لمضامين النصوص الإبداعية أو الوصفية بناء ودلالة ومقصدية.
تتخذ المقدمة طابع خطاب استفتاحي مستقل في مستهل العمل أو الأثر الأدبي، حيث يحدد فيها المبدع، أو الكاتب، أو الناشر، دوافع الكتابة، وحيثيات الطبع والنشر والتوزيع