وهكذا، نصل إلى أن للإهداء وظائف جمة وعدة، يمكن رصدها عبر التموقع السياقي. ويعني هذا أن الإهداء ليس عتبة زائدة، بل عتبة مهمة في استكشاف دلالات النص، واستقراء بنياته، وتحديد مقاصده، سواء من خلال قراءة أفقية أو قراءة عمودية.
تستوجب دراسة الإهداء في النص الإبداعي أو التخييلي التركيز على أربعة ثوابت محورية: البنية، والدلالة، والتركيب، والقراءة الأفقية والعمودية والسياقية. وينبغي على الباحث في موضوع الإهداء أن يغربل بنية الإهداء، بالتوقف عند صيغته، وتبيان مكوناته الصوتية، والإيقاعية، والصرفية، والتركيبية، والبلاغية، والنصية. وبعد ذلك، ينتقل الدارس إلى تبيان علاقة الإهداء بالنص المعبر عنه، هل العلاقة كلية أو جزئية، أو هي علاقة إحالية أو رمزية أو إيحائية أو تضمنية أو تضادية، أو تكون علاقة تطابق أو علاقة انعكاسية أو علاقة مفارقة ... ؟ ويمكن الاستعانة في مجال المقصدية بنظرية الوظائف اللسانية. إذ إن الإهداء- كما هو معلوم - عبارة عن رسالة، وهذه الرسالة يتبادلها المرسل والمرسل إليه، فيساهمان في التواصل المعرفي والجمالي. وهذه الرسالة مسننة بشفرة لغوية، يفككها المستقبل، ويؤولها بلغته الواصفة، وترسل هذه الرسالة ذات الوظيفة الشاعرية أو الجمالية عبر قناة وظيفتها الحفاظ على الاتصال. وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من وظائف اللغة، كما أرساها رومان جاكبسون (R.Jackobson) . فللإهداء وظيفة مرجعية، ترتكز على موضوع الرسالة، باعتباره مرجعا وواقعا أساسيا، تعبر عنه الرسالة. وهذه الوظيفة موضوعية لا وجود للذاتية فيها، نظرا لوجود الملاحظة الواقعية، والنقل الصحيح، والانعكاس المباشر. وهناك الوظيفة الانفعالية التعبيرية التي تحدد العلائق الموجودة بين المرسل والرسالة. وتحمل هذه الوظيفة في طياتها انفعالات