فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 133

إن من المعروف لدى القاصي والداني أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان أميًا لا يعرف القراءة والكتابة، وكان في أمة أمية جاهلة ليس لها من فنون العلوم شيء يذكر، ولم يكن لها في الكونيات سعة أفق ومعرفة مسبقة، وأكثر تعاملها ينصب على أشياء ظاهرة بسيطة، ولكن ما كان ينزل من القرآن، وما كان الوحي ينبئهم به على ظواهر علمية ستقع لم تكن لتخطر ببال أحدهم قال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [1] ، فكانت تحدث أمامهم كفلق الصبح، أو أنهم لم يتوصلوا إلى ما تهدف إليه، فيكونوا أمامه عاجزين، ثم يأتي بعد ذلك جيل يتوصل بمحض وسائله وقدراته المادية إلى الهدف من ذلك: قول الله تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [2] فإنه لم يكن في حسبان العرب الأوائل حينما نزلت عليهم هذه الآية ولا بمقدورهم أن يتوصلوا إلى سر هذه الآية، ولكن لما جاء العلم الحديث، وبفضل تطور آلة البحث توصلوا إلى أن البصمات تختلف من شخص إلى آخر، بل إن بصمات اليد الواحدة تختلف من أصبع إلى آخر، واستفاد من هذا البحث الباحثون في مجال القانون وغيره إلى ما يتم به إلى كشف كثير من الجرائم الغامضة.

ولعل شهادة بعض الغربيين بدور الإسلام والعرب في بناء الحضارات ما يجعل القلب مطمئنًا إلى أن الإسلام هو الحل الوحيد لانتشال العالم من مغبة الانهيار والسقوط، وأنه سيعود رغم مكائد الأعداء، بل وإن كثيرًا من الغربيين يعترفون بدور الإسلام العلمي والحضاري في بناء الحضارات ولكنهم يخشونه أشد الخشية ويحذرون أشد الحذر من مقدمه، ومن أقوالهم:

-قال المستشرق الفرنسي الدكتور غوستاف لوبون: (كان تأثير العرب في الغرب عظيمًا، وإليهم يرجع الفضل في حضارة أوربا، وتأثيرهم بتعاليمهم العلمية، والأدبية، والأخلاقية عظيمًا، ولا يتأتى للمرء معرفة التأثير العظيم الذي أثره العرب في الغرب إلاَّ إذا تصورنا حالة أوربا في الزمن الذي دخلت فيه الحضارة، وإذا رجعنا إلى القرنين التاسع والعاشر الميلادي يوم كانت المدينة الإسلامية زاهرة باهرة، نرى أن المراكز العلمية الوحيدة في عامة بلاد الغرب كانت عبارة عن مجموعة أبراج يسكنها سادة نصف متوحشين، يفاخرون بأنهم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون، وكانت الطبقة العالية المستنيرة في النصرانية عبارة عن رهبان فقراء جهلة، يقضون الوقت بالتكسب في ديرهم بنسخ كتب القدماء، وليبتاعوا ورق البردي اللازم لنسخ كتب العبادة، ولما شعرت بعض العقول المستنيرة قليلًا بالحاجة إلى نفض كفن الجهل الثقيل الذي كان الناس ينوءون تحته، طرقوا أبواب العرب يستهدونهم ما يحتاجون إليه، لأنهم كانوا وحدهم سادة العلم في ذلك العهد) [3] .

(1) فصلت: 53.

(2) القيامة: 4.

(3) روائع إسلامية: ج 2 ص 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت