فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 133

فهذا يجاهد أعداء الله ويذب عن حمى الإسلام، وهذا مُحَّدِّث يذب عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا يقرأ القرآن ويقرؤه ويعلمه آناء الليل وأطراف النهار، وهذا زاهد يجاهد نفسه ويسعى لتطهيرها من أدران الدنيا، وذاك قائم بأمر الحسبة، ... الخ.

وكل هؤلاء وغيرهم يشكلون الطائفة المنصورة، ولابد لهذه الأصناف من التفقه في الدين كي يكون عملها موافقًا لما جاء به الكتاب والسنة، أما حصرها بمسميات معينة محددة، فهذا لا ينبغي، إذ لا يستقيم أمر الأمة، ولا يحصل لها الثبات، ولا النصر، ولا الاستخلاف إلاَّ مع الفقه في عموم الدين، كلٌ بحسبه، ومن كمال الفقه في الدين رسوخ الإيمان مع العلم والعمل، فالعلم والعمل بلا إيمان وصدق، فهو محض نفاق، وضعف الإيمان لا يكون معه ثبات عند خذلان الناس، وعلم بلا عمل وجوده وعدمه سواء، بل لا يكون نصر ولا غيره بلا عمل، وهذا كله شامل لكل أنواع الخير التي ذكرها الإمام النووي، إذ الفقه في الدين ليس خاصًا بعلم الفقه الذي هو العلم بالفروع، فالأمة بحاجة إلى طبيب مسلم، ومهندس مسلم، وعالم ذرة مسلم، وزراعي مسلم، وصناعي مسلم، وسياسي مسلم، واقتصادي مسلم .. وهكذا، حتى تكتمل الدائرة، ويكون للمسلمين دور في صناعة الحياة أو تحكيمه ليتحقق الخير والعدل، ومن أحسن من دين الله دينًا.

يعني ثباتهم على الحق في مواجهة المحن والفتن والشدائد مهما كان نوعها وشكلها، فلا يؤثر في نفوسهم ما يفعله الكفار والمنافقون والمرجفون والمخذِّلون، ولا يضرهم خلاف من خالفهم، فهم ثابتون راسخون كرسوخ الجبال الراسيات، ولا يخافون في الله عز وجل لومة لائم، لا يخافون إلاَّ الله، بل يزيدهم بالله يقينًا وإصرارًا على المواجهة مهما كلف ذلك، فهم في فداء دائم لا ينقطع ولا يفتر، ويبقى حالهم كذلك حتى تنتهي آجالهم، أو يأتي أمر الله، وأمر الله: ريح طيبة لينة، كريح المسك تقبض أرواح المؤمنين، كما في رواية عقبة بن عامر - رضي الله عنه - يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( لا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ) )، فقال عبد الله: أَجَلْ، ثُمَّ يَبعَثُ اللهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ، مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ، فَلا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ الإِيمَانِ إِلاَّ قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ )) [1] ، قال الإمام النووي: (أنهم لا يزالون على الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة قُرب يوم القيامة وعند تظاهر أشراطها، فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها ودنوها المتناهي في القرب، والله أعلم) [2] .

وقال ابن حجر: (المراد بأمر الله: هبوب تلك الريح، وأن المراد بقيام الساعة: ساعتهم) [3] .

فيكون ترتيب الحوادث كالآتي: قتال الدجال هو آخر قتال فاصل بين الإسلام والكفر، ثم ينتهي بموت يأجوج ومأجوج طغيان الباطل وظهوره، ثم ظهور عالمي للإسلام، ثم يأتي أمر الله وهو الريح الطيبة، ثم تقوم الساعة على شرار

(1) صحيح مسلم: 7/ 76، كتاب الإمارة: باب قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لا تزال طائفة .. ) )برقم (1924) .

(2) شرح صحيح مسلم للنووي: 1/ 409.

(3) فتح الباري شرح صحيح البخاري: 17/ 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت