وأشار أحد الباحثين إلى أن العولمة تعني التنميط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي من أجل إخضاع العالم وجعله يستجيب لما تريده الشركات العالمية متعددة الجنسيات [1] .
وعالمنا اليوم يتعامل مع مفردات جذابة أخذت تنشر في الدراسات والكتب والمقالات والتصريحات والبيانات مثل: (القرية الكونية) و (المواطن العالمي) و (العولمة) ، ويختار لها أمهر الفنانين والرسامين لتصميم معلقات وبوسترات توضح ذلك، وكل هذه التسميات يبتغي في مفهومها غير ما أريد لها، إنها عولمة النهب أو عولمة الفهم الغربي الأمريكي للأشياء بهدف خلق وفرض أنموذج واحد وطابع واحد على كل مفردات الحياة وعناصرها في الاقتصاد والسياسة والعلم وحتى الأخلاق والفن.
ذهب البعض إلى أن العولمة ليست ظاهرة جديدة، بل بداياتها الأولى ترجع إلى القرن التاسع عشر، مع بدء الاستعمار الغربي لآسيا وأفريقيا والأمريكيتين، ثم اقترنت بتطور النظام التجاري الحديث في أوربا، الأمر الذي أدى إلى ولادة نظام عالمي متشابك ومعقد عُرف بالعالمية، ثم العولمة.
وذهب آخرون إلى أن مصطلح النظام العالمي كان مستخدمًا منذ مؤتمر فيينا عام 1815 م، الذي أنشأه مترنيخ رئيس وزراء النمسا، وجدده (بسمارك) الألماني في سبعينات القرن التاسع عشر، ثم تجدد على يد (كلمنصو) الفرنسي في مؤتمر فرساي عام 1919 م، ثم تجدد في يالطة على يد الخلفاء في الحرب العالمية الثانية.
إن ظهور الثورة الصناعية بشكلها التقليدي في منتصف القرن الثامن عشر في انكلترا، ثم أوربا وحيث سمح بترويض البخار والحديد، ثم الكهرباء، لزيادة الإنتاج وقهر المحيطات، ومن ثم خرجت أوربا من قوقعتها الاقتصادية الزراعية المنغلقة إلى ربوع الأسواق العالمية والاستعمار، فاشتد عود الدولة المعاصر وهي بعد حديثة لم تظهر معالمها إلاَّ منذ القرن السادس عشر، ولم تتأكد أركانها الأساسية في أوربا إلاَّ بعد حرب نابليون، بل وحتى هزيمة ابن أخيه نابليون الثالث وظهور الدولة الألمانية على يد (بسمارك) كقوة اقتصادية وسياسية في أوربا، ثم بدأت الثورة الصناعية تدخل مرحلة جديدة من نوع التطورات التقنية، بدءً من الستينات، ثم جاء بعد ذلك عصر الاليكترونيات والاتصالات والانتقال من اقتصاد الأشياء إلى اقتصاد المعلومات وهكذا كانت جذور العولمة [2] .
إن الأمريكيين يعدون أنفسهم بأنهم أول من تبنى شعار العولمة، ومنذ تأسيس دولتهم، فهم يؤمنون بنظرية (العقد المتجلي) ، فرؤساء الإدارات الأمريكية كافة صرحوا بأن بلادهم وجدت من أجل قيادة العالم عبر نظام عالمي يتلائم مع ثقافتها وبالتالي الرؤية المنهجية للحياة، فأول رئيس أمريكي (جورج واشنطن) قال في خطابه الرئاسي عام 1789 م: (إنه
(1) صحيفة الجمهورية العراقية، العدد 10096 في 18/ 8/1999، د. لؤي مجيد حسن.
(2) العولمة ومستقبل البشرية، أيمن نور الدين عمر، ص 12، دار لبنان للطباعة والنشر، ط 1.