فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 133

أجل دع عنك هذا وذاك، فإن الحكم في القرآن بهذا الضرب من الزيادة أو شبهها إنما هو ضرب من الجهل - مستورًا أو مكشوفًا- بدقة الميزان الذي وضع عليه أسلوب القرآن [1] .

ومن الانضباط في سرد الألفاظ وكذلك الأحكام، بحيث لا تتقدم كلمة على أخرى إلاَّ بسبب ولا تتأخر كلمة على أخرى إلاَّ بسبب، وكذلك الأحكام بحيث لا يتقدم حكم على آخر إلاَّ بسبب، ولا يتأخر حكم على حكم إلاَّ بسبب [2] ، ونضرب لذلك الأمثال:

1.تقدم السمع على البصر: لأن جهاز السمع أرقى وأعقد وأدق وأرهف من جهاز البصر، والعلم يمدنا الآن بألف دليل على تفوق معجزة السمع على معجزة البصر. فقد ذكر الله عز وجل في القرآن أكثر من سبعة عشر موضعًا حول تقدم السمع على البصر كقول الله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [3] .

2.تقدم حكم على حكم، كما في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [4] . لماذا قدم الله عز وجل الزانية على الزاني، لأن الزانية هي التي تفتح بابها، وهي البادئة، وهي التي تتزين وتتبرهج وتهيأ نفسها. وأما قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [5] فالمرأة أقل جرأة من الرجل، وأنها أمام هذا العمل ضعيفة ولا تقوى عليه، لذا قدم الله السارق على السارقة.

3.توالي الألفاظ المنتقاة لتتوافق مع التعبير كمعجزة بيانية في ذاتها كما يقول الله تعالى في شأن الرياح: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنينَ} [6] . فالرياح الباردة تثير سحابًا، فهي تلاقح بين السحب، فيكون برق ورعد ومطر، وينزل المطر على الأرض فيخصبها فهو تلاقح المطر والأرض أيضًا، وكذلك تحمل الرياح حبوب اللقاح من زهرة لتلقى بها إلى مبيض زهرة أخرى فيكون تلاقح من نوع ثالث .. وهكذا ينبت الزرع.

فكثير من اللفتات البيانية الإعجازية في القرآن لا يصل الإنسان إلى كنهها ومعرفتها إلاَّ إذا اكتشفها العلم، كما نرى اليوم بعد أن كانت مخفية عن الأنظار، والتي لم يستطع الأوائل التوصل إليها، لعدم توافر الوسائل العلمية لديهم في اكتشافها وظهورها.

(1) النبأ العظيم ص 97 وما بعدها.

(2) ينظر: القرآن محاولة لفهم عصري: مصطفى محمود، دار المعارف بمصر، ص 249.

(3) الإسراء:.

(4) النور: 2.

(5) المائدة: 38.

(6) الحجر: 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت