مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَو الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِي خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ )) [1] .
قال سيد قطب: (ولقد عادوا اليوم إلى الإفساد في صورة(إسرائيل) التي أذاقت العرب أصحاب الأرض الويلات، وليسلطن الله عليهم من يسومهم سوء العذاب، تصديقًا لوعد الله القاطع، وفاقًا لسنته التي لا تتخلف وإن غدًا لناظره قريب) [2] .
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على صدق نبوته - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به القرآن عن بني إسرائيل في إفسادهم في الأرض مرتين، فسلط الله عليهم في المرة الأولى من قهرهم وقطع شأفتهم، فكان ذلك سببًا لتشريدهم وانتشارهم في الأرض، حيث دمُرت مملكتهم شر تدمير، واليوم يعودون من جديد إلى نفس الأرض، وهي أرض فلسطين المقدسة، ليقيموا دولتهم الفاشلة الظالمة الجائرة.
قال سيد قطب (رحمه الله) في الظلال في تفسيره لآية الإسراء: (فهذه هي الأولى: يعلون في الأرض، ويصبح لهم فيها قوة وسلطان، فيفسدون فيها، فيبعث الله عليهم عبادًا من عباده أولي بأس شديد، وأولي بطش وقوة، يستبيحون الديار، ويروحون فيها ويغدون باستهتار، ويطئون ما فيها ومن فيها بلا تهيب(وكان وعد الله مفعولًا) لا يخلف ولا يكذب، حتى إذا ذاق بنو إسرائيل ويلات الغلب والقهر والذل .. ) [3] .
ففي هذه المرة - أي الثانية - سيكون لليهود بجانب إفسادهم سطوة وعلو على العالم بأسره، وذلك بتغلغلهم في داخل المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تدير دفة الحكم في جميع الدول الكبرى، ولاسيما سيطرتها على هيئة الأمم المتحدة، وبالذات على مجلس الأمن، فالقرارات اليوم لا تصدر إلاَّ بمباركة وموافقة يهودية، وبهذا تحقق لهم العلو الكبير الذي ذكره الله في آية الإسراء، ومن المعروف لدى القاصي والداني أن اليهود هم وراء كل خراب يحلّ في العالم الإسلامي برمته، فإن إسرائيل اليوم تقتل من المسلمين الكثير، وعلى شكل مذابح ومجازر وأخص الناشطين منهم، ولا تبالي للرأي الشعبي العالمي، ولا للرأي العالمي لحقوق الإنسان، وقد تعددت المجازر وبشكل لا تصدقه العقول، وذلك منذ إعلان دولتهم الغاصبة وإلى يومنا الحاضر، لأنهم ما جاؤوا إلاَّ لهذا الأمر.
فتجمع اليهود على أرض فلسطين إنما هو بقضاء الله الذي أشارت إليه سورة الإسراء، وهذا القضاء - كما يقول العلماء - اليهود فيه مخيرون وليس فرضًا عليهم، إنما هو إخبار من الله تعالى لهم بما سيكون من بني إسرائيل حسب ما وقع في علمه الإلهي من مصيرهم، لا أنه قضاء قهري عليهم تنشأ عن أفعالهم، فالله جل في علاه لا يقضي بالإفساد على أحد من العالمين، ولا يأمر بالإفساد ولا بالفحشاء.
لقد بدأ تغلغل اليهود إلى فلسطين منذ عهد السلطان عبد الحميد الثاني الخليفة العثماني، حيث سعى كبار اليهود
(1) صحيح مسلم: 4/ 2239 برقم (2922) ، مسند أحمد: 2/ 417 برقم (9387) .
(2) في ظلال القرآن: 5/ 308.
(3) المصدر السابق: 5/ 306.