ويضيف الشيخ إبراهيم النعمة قائلًا: (وقد واجه الشمال الأفريقي معركة ضارية عنيفة ضد لغتنا العربية، وانحسرت دراسة العربية عن المدارس الرسمية، ولم يبق لها أثر إلاَّ في حلقات المساجد والكتاتيب والمدارس الأهلية وجامعتي الزيتونة والقرويين، أما المشرق العربي فكانت الحملات على العربية تتمثل بدعوات مستمرة في مهاجمتها، وقد حمل لواءها غربيون مقيمون في البلاد أولًا، ثم حمل دعوتهم وطنيون يحملون الفكر الغربي فتارة يقومون بالتشكيك بصحة الأدب العربي القديم، وتارة بتشجيع اللهجات المحلية لتتمزق الرابطة اللغوية بين العربي وأخيه العربي، وتارة تثور على القديم باسم التجديد) [1] .
لقد اهتم علماؤنا الأفذاذ باللغة العربية أيما اهتمام وبالغوا بها، فكانت لهم أسفار ومؤلفات ثرة ملئت الأرض حيث تناولت مختلف الفروع المتعلقة بها، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على حبهم البالغ لهذه اللغة، ومن هذا الباب أصبح تعلم اللغة العربية بكافة فروعها من الدين، وكلما ازداد المسلم علمًا بالعربية ازداد تقربًا إلى الله عز وجل فقد جاءت فتاوى العلماء باعتبار تعلمها فريضة من فرائض الدين، وأن الصلاة لا تصح إلاَّ بها، وأن بقية العلوم الشرعية لا تفهم ولا تدرك إلاَّ بتعلمها، لهذا نجد أن القراءات القرآنية لا تكون صحيحة إلاَّ إذا وافقت شروطًا ثلاثة، وكان أحدها أن توافق القراءة وجهًا من وجوه العربية، فإن لم توافق فهي قراءة شاذة لا يتعبد بها [2] .
قال الإمام الشافعي (رحمه الله) : (فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلاَّ الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح، والتشهد وغير ذلك، وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيرًا له) [3] .
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) يرى هو الآخر أن تعلم العربية من الفروض الواجبة فيقول: (وأيضًا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلاَّ بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب) [4] .
ويقول الشيخ النعمة: (وبناءً على ما قرره الجهابذة من العلماء، نقول: إن تعلم اللغة العربية فرض واجب على كل مسلم في هذا الوجود، ذلك لأنها لغة الإسلام الرسمية، فيجب على المسلمين في أنحاء الدنيا كلها أن يتعلموها بقدر استطاعتهم، ذلك لأن الإسلام هو الدين الوحيد) [5] .
(1) لغتنا والمؤامرة: 37.
(2) ينظر: السعود في قراءة عاصم بن أبي النجود: 25.
(3) الرسالة للإمام الشافعي: 48.
(4) اقتضاء الصراط المستقيم: 207.
(5) لغتنا والمؤامرة: 17.