فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 133

الحق الذي ليس فيه زيغ ولا ضلال، كما عليه في سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [1] . أي الذين أنعمت عليهم من النبيِّين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذه لا تكون إلاَّ في الأُمَّة القائمة على أمر الله عز وجل، وهذا الحق لا يمكن تجزئته تبعًا لتنوع ما يقوم به أفراد هذه الأمة من أمر هذا الدين في كل من فقه اختصاصه وعمل به في مصالح الأمة.

ثانيًا - الاستمرار بقهر العدو: وذلك في كل صولة وجولة، سواء أكان ذلك معنويًا أم ماديًا، حتى وإن أصاب هذه الفئة ضررٌ ولأواءٌ. أي أن جهادهم في قهر الأعداء مستمر وبشتى أنواعه، ولا يفهم بأن القهر يجب أن يكون بالقوة العسكرية فحسب إنما يتعدد ليشمل كل شيء، فالوسائل متعددة ومتنوعة، وهذا هو الحاصل اليوم بحمد لله وتوفيقه، فالأعداء في كيد مستمر لهذه الأمة بسبب خوفهم المستمر من عودتها.

وأما زمانهم ومكانهم: فالزمان: من بداية التشريع حتى يأتي أمر الله، والمكان: فهذه الرواية حددت المكان ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وقال معاذ - رضي الله عنه: هم بالشام، وجاء في حديث: (( آخرُهُم ْ بِبيتِ المقْدِسِ ) )، وفي رواية سلمة بن نفيل الكندي - رضي الله عنه: (( .. وَعُقْرُ دَارِ الْمُؤمِنينَ الشَّامُ ) ) [2] .

وقال ابن حجر: (قلت: ويمكن الجمع بين الأخبار بأن المراد قوم يكونون ببيت المقدس، وهي شامية، ويسقون بالدلو، وتكون لهم قوة في جهاد العدو وحدة، وجد) [3] ، بينما تحدد رواية سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - بأهل الغرب [4] ، وهذا تشريف من الله عز وجل للمكان، ومَنْ فيه من المسلمين، أما غيرها من الروايات فلم تحدد مكانًا معينًا، وهذا من منَّة الله سبحانه على عباده أن يحفظ لهم دينهم بتثبيت طائفة من المسلمين على دينه، ومنحها القوة الإيمانية، مما يجعلهم على الدوام ينافحون ويدفعون عن بيضة الإسلام مهما اشتدت الخطوب والمآسي.

ولكن هذا التقييد لا شرط أن يكون في أهل الشام لوجود روايات أخرى لم تحدد الجهة كما قلنا سابقًا.

وأما تخصيص أهل الشام، فيعود لما يجري على واقع المسلمين في فلسطين من المحن والفتن التي لم تحصل لغيرهم، فقد مر على أهل الشام حوادث قد ذكرها التاريخ، فقتال المغول الوثنيين، وهجمات الصليبيين، وجهاد المسلمين لليهود الذي لا يزال مستمرًا، ثم ما سيكون من قتال الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، وما يحدث عليهم اليوم، كل ذلك سببًا في تحديد المكان، والله أعلم في حصول المزية لهم من حيث العموم، ثم جاء الحديث ليؤكد تلك المزية في أوصاف مخصوصة بعينها.

ثالثًا - عدم التأثر بخلاف المخالفين، ولا بإرجاف المرجفين: فماهيتها: أنها لا تتأثر بخلاف المخالفين، فقد أختلف أهل العلم في تحديد صفة هذه الطائفة، فالإمام البخاري سماها بأهل العلم، ومستنده بذلك قول معاوية - رضي الله عنه - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يقول: (( مَنْ يُرِدْ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين، وَإنَّمَا أنَا قَاسِمٌ واللهُ َيُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ

(1) الفاتحة: 6 و 7.

(2) سنن النسائي: 6/ 215 برقم (3561) .

(3) ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري: 17/ 126.

(4) صحيح مسلم: 7/ 77 برقم (1925) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت