فهذا جولد زيهر الذي حاول في كتاباته الطعن في نصوص القرآن الكريم والادعاء بأن الصحابة قد تصرفوا فيه زيادة ونقصانا، وعد القراءات القرآنية وجهًا من وجوه التحريف، واستند في كل ذلك إلى الروايات التي دسها المجوس واليهود والمنافقون في تحريف القرآن، وجعلها من المسلمات ولا تقبل الرفض، وذهب إلى أن القرآن الكريم مزيج من عقائد اليهود والنصارى والمجوس، وأن فيه خرافات كثيرة كمعجزات الأنبياء والجن، كما وجه مطاعنه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وشكك في الوحي النازل عليه، وأنكر معجزاته، وزعم أن رواة السنة النبوية كذابون وأنهم لفقوا الأحاديث على محمد، وافترى على المسلمين أنهم لم يدققوا في أمور عقيدتهم، وافترى على فقهاء دمشق وبغداد وزعم أنهم تأثروا بالقوانين الرومانية [1] .
ثم جاء من بعده تلميذه (جوزيف شاخت) الذي درس التشريع الإسلامي ومصادره، لأجل الطعن فيه وبحضارة الإسلامي، وارجع كل فضيلة من فضائله إلى المصادر الرومانية، ففي كتابه (مصادر الفقه الإسلامي) حاول أن يثبت عبر منهج يهودي استشراقي سقيم أن الإجماع في الفقه الإسلامي مقتبس من القانون الروماني [2] .
وأما (برنارد لويس) المستشرق اليهودي فقد ظل في دراساته التاريخية والحضارية كلها ينطلق من المخطط اليهودي الذي مشى عليه جولد زيهر، وشاخت وغيرهما بمحاولة تثبيت الأثر اليهودي في الحضارة الإسلامية [3] .
جاء في كتاب الاستشراق لرضوان السيد وهو يذكر برنارد لويس قال: (لقد ظل الرجل صهيونيًا يتعامل مع النص التأريخي العربي القديم وسجلات الضرائب العثمانية، وعينه على الزحف الصهيوني المعاصر على أرضنا حتى غادر بريطانيا إلى الولايات المتحدة فحسر عن وجهه اللثام تمامًا، فلم يعد حاضرًا عنده من الإسلام وحضارته غير المفهوم الأمريكي للشرق الأوسط الذي أسهم هو وغيره في صياغته، ولم يعد حاضرًا من المسألة السياسية الأمريكية غير مواقف اليمين واليسار الإسلاميين من الكيان الصهيوني بفلسطين، والمصالح الأمريكية في العالم الإسلامي) [4] .
ومعلوم لدى كل طالب علم أن أهداف اليهود تلتقي بأهداف النصارى في القضاء على دين الله الإسلام، فهي مؤامرة عظمى حاك خيوطها اليهود تحت شعار (عدو عدوي صديقي) .
قال الدكتور حمدي زقزوق: (وهكذا لم يرد اليهود أن يعملوا داخل الحركة الاستشراقية بوصفهم مستشرقين يهود حتى لا يعزلوا أنفسهم، وبالتالي يقل تأثيرهم، ولهذا عملوا ب وصفهم مستشرقين أوربيين، وبذلك كسبوا
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه ص 29. يقول الدكتور محسن عبد الحميد: (وتعصب شاخت اليهودي يدفعه إلى أن يطلق على فلسطين اسم إسرائيل حتى في أيام الدولة العثمانية التي لم تكن مشكلة فلسطين مع اليهود مثارة أصلًا ولم يكن اسم إسرائيل متداولًا يومئذ في القاموس السياسي) .
(3) المصدر السابق ص 30.
(4) المصدر نفسه نقلًا من كتاب الاستشراق - التاريخ والمنهج والصورة - بحث ثقافة الاستشراق - رضوان السيد ص 6.