بل وقال الفيلسوف أبو هاشم الجبائي [247 - 321 ه / 861 - 933 م] :"إن الواجب الأول على الإنسان هو الشك"! .. وذلك انطلاقا من التأصيل القرآني لمنهاج"الشك المنهجي": (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى ولَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: 260] [1] .
وحتى شيخ الإسلام، وإمام السلفية ابن تيمية [661 - 728 ه / 1263 - 1328 م] الذي جعل عنوان كتابه"درء تعارض صريح المعقول مع صحيح المنقول".. رأيناه يعلن: أن"الحنفية وكثير من المالكية والشافعية والحنبلية يقولون بتحسين العقل وتقبيحه، وهو قول الكرامية والمعتزلة، وهو قول أكثر الطوائف من المسلمين"، أي أن أغلب تيارات الفكر الإسلامي - الفلسفية والفقهية - تجعل العقل مرجعية للتحسين والتقبيح. [2]
(1) - القاضي عبد الجبار، والجاحظ، وأبوعلي الجبائي، وأبوهاشم الجبائي، من أجلاف المعتزلة الضالين وابن رشد من الفلاسفة الأكثر ضلالًا ولقد مر الكلام عليه وعلى المعتزلة وسيأتي الكلام على ضلالات الغزالي عندما نتعرض لرأيه في العقل.
(2) - هذا الكلام منتقص وأصله في مجموع الفتاوى وليس في الدرء فقال ابن تيمية رحمه الله:
[وأما مسألة تحسين العقل وتقبيحه، ففيها نزاع مشهور، بين أهل السنة والجماعة من الطوائف الأربعة وغيرهم. فالحنفية وكثير من المالكية، والشافعية والحنبلية، يقولون بتحسين العقل وتقبيحه، وهوقول الكَرَّامية والمعتزلة، وهوقول أكثر الطوائف من المسلمين، واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم، وكثير من الشافعية والمالكية والحنبلية ينفون ذلك، وهوقول الأشعرية، لكن أهل السنة متفقون على إثبات القدر، وأن الله على كل شيء قدير، خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
والمعتزلة وغيرهم من القدرية، يخالفون في هذا، فإنكار القدر بدعة منكرة، وقد ظن بعض الناس أن من يقول: بتحسين العقل وتقبيحه ينفي القدر، ويدخل مع المعتزلة في مسائل التعديل والتجويز، وهذا غلط بل جمهور المسلمين لا يوافقون المعتزلة على ذلك، ولا يوافقون الأشعرية علي نفي الحكم والأسباب، بل جمهور طوائف المسلمين يثبتون القدر، ويقولون: إن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، ويقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
والمقصود هنا: أن جماهير المسلمين يخالفون القدرية من المعتزلة وغيرهم، وجماهير المسلمين أيضًا يقرون بالأسباب التي جعلها الله أسبابًا في خلقه وأمره، ويقرون بحكمة الله التي يريدها، في خلقه وأمره، .... والمقصود هنا: أن مسألة التحسين والتقبيح، ليست ملازمة لمسألة القدر. وإذا عرف هذا فالناس في مسألة التحسين والتقبيح على ثلاثة أقوال: طرفان، ووسط.
الطرف الواحد، قول من يقول: بالحسن والقبح، ويجعل ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له، ولا يجعل الشرع إلا كاشفًا عن تلك الصفات، لا سببًا لشيء من الصفات فهذا قول المعتزلة ـ وهوضعيف ـ وإذا ضم إلى ذلك قياس الرب على خلقه، فقيل: ما حسن من المخلوق حسن من الخالق، وما قبح من المخلوق قبح من الخالق، ترتب على ذلك أقوال القدرية الباطلة.
وأما الطرف الآخر في مسألة التحسين والتقبيح، فهوقول من يقول: إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام، ولا على صفات هي علل للأحكام، بل القادر أمر بأحد المتماثلين دون الآخر، لمحض الإرادة، لا لحكمة، ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر
فهذا القول ولوازمه، هوأيضًا قول ضعيف مخالف للكتاب والسنة، ولإجماع السلف والفقهاء، مع مخالفته أيضًا للمعقول الصريح. والفقهاء وجمهور المسلمين يقولون: الله حرم المحرمات فحرمت، وأوجب الواجبات فوجبت، فمعنا شيئان: إيجاب وتحريم، وذلك كلام الله وخطابه، والثاني وجوب وحرمة وذلك صفة للفعل، والله تعالى عليم حكيم، علم بما تتضمنه الأحكام من المصالح، فأمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي والمأمور والمحظور من مصالح العباد ومفاسدهم، وهوأثبت حكم الفعل، وأما صفته، فقد تكون ثابتة بدون الخطاب، وقد ثبت بالخطاب والحكمة= =الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة أومفسدة، ولولم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هوحسن وقبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك لا أنه أثبت للفعل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولولم يبعث إليهم رسولًا، وهذا خلاف النص قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وقال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59] ، وقال تعالى: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ. وَقَالُوا لَو كُنَّا نَسْمَعُ أَونَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 8 - 10] . ...
النوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنًا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.
والنوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء؛ ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه، {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] ، حصل المقصود، ففداه بالذبح، وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى، لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة، فلما أجاب الأعمى قال الملك: أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فرضي عنك، وسخط على صاحبيك.
فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به، وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هومتصف بذلك، بدون أمر الشارع، والأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع، وأما الحكماء والجمهور، فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهوالصواب.] مجموع الفتاوى 8/ 428 وما بعدها
وقال في درء التعارض - (ج 4 / ص 399)
وإنما المقصود هنا أن أعظم الناس تعظيما للعقل هم القائلون بأنه يوجب ويحظر ويحسن ويقبح كالمعتزلة والكرامية والشيعة القائلين بذلك ومن وافقهم من طوائف الفقهاء والعلماء وأما الفلاسفة فالنقل عنهم مختلف لتناقض كلامهم فالمشهور عنهم أن العقل يحسن ويقبح كما نقله أبوالخطاب عنهم