فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 392

وتقرر بين المسلمين كافة - إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه - أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل، كالعلم بوجود الله، وبقدرته على إرسال الرسل، وعلمه بما يوحى إليهم، وإرادته لاختصاصهم برسالته، وما يتبع ذلك وما يتوقف عليه فهم معنى الرسالة، كالتصديق بالرسالة نفسها ..

وأول أساس وضع عليه الإسلام: هو النظر العقلي، والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك منه على سبيل الحجة، وقاضاك إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه؟

بلغ هذا الأصل بالمسلمين أن قال قائلون من أهل السنة: إن الذي يستقصي جهده في الوصول إلى الحق، ثم لم يصل إليه، ومات طالبا غير واقف عند الظن، فهو ناج.

فأي سعة لا ينظر إليها الحرج أكمل من هذه السعة؟

ولقد اتفق أهل الملة الإسلامية - إلا قليلاََ ممن لا ينظر إليه - على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقى في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه. والطريق الثانية: تأويل النقل، مع المحافظة على قوانين اللغة، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل ...

فالإسلام لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي، والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري، فلا يدهشك بخارق للعادة، ولا يعشى بصرك بأطوار غير معتادة، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية، ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية ..

والمرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به. فمن ربّيَ على التسليم بغير عقل، والعمل - ولو صالحا - بغير فقه فهو غير مؤمن، لأنه ليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل القصد منه أن يرتقي عقله وتتزكى نفسه.] [1]

وقال: [هكذا تبلورت في الإسلام - الدين .. والحضارة .. والتاريخ - عقلانية مؤمنة متميزة عن غيرها من العقلانيات التي عرفتها شرائع أخرى .. وحضارات أخرى.

-فالإنسان كون عقلي .. سلطان وجوده العقل ..

-والعقل هو جوهر الإنسان .. ومن أجل القوى الإنسانية .. بل هو قوة القوى الإنسانية وعمادها.

(1) - مقال لعمارة بعنوان الفاتيكان والإسلام (7) د. محمد عمارة: بتاريخ 10 - 10 - 2007

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت