وإذا كنت - يا عظيم الفاتيكان - لم تقرأ ما جاء في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي عن مقام العقل في الإسلام .. فهل يليق بمثلك أن تجهل ما كتبه علماء الغرب عن هذه العقلانية الإسلامية، ودورها في انتشار الإسلام؟! .. وما كتبوه عن لا عقلانية مسيحيتك الرومانية، التي غبشتها وأفسدتها الثقافة الهلينية، وملأتها بالأسرار والألغاز .. ودور هذه اللاعقلانية في هزيمة مسيحيتك أمام عقلانية الإسلام؟!.] [1]
وقال: [حكمة توكيد القرآن على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم: عندما اصطفى الله سبحانه وتعالى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا، وعندما صدع محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ربه، فدعا الناسَ إلى التوحيد وإلى الإيمان به نبيًّا ورسولًا، لم تكن هناك شبهة على «بشرية» محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
ومع كل هذا فلقد وجدنا القرآن الكريم تجتهد آياته البينات لتؤكد على «بشرية» محمد صلى الله عليه وسلم ولتَنفيَ أن يكون إلا «بشرًا رسولا» ، وبشرًا يوحَى إليه من السماء بالنبأ العظيم. فلِمَ كان هذا التأكيد والإلحاح على قضية لم تكن محل خلاف ولا شبهة ولا جدال؟
لإدراك السر الذي يجيب على هذا التساؤل لا بد من النظر إلى رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في سياق ما تقدمها من رسالات نهض بها الرسل الذين سبقوه على درب اتصال السماء بالبشر لهدايتهم إلى الصراط المستقيم؛ وأيضًا في ضوء كون الرسالة المحمدية هي الرسالة الخاتمة لطور النبوة والرسالة، بما يعنيه ذلك من بلوغ الإنسانية مرحلة «الرشد» التي تأهلت بها، لأنْ تُوكَل إلى «عقلها الراشد» تهتدي به - كلما انحرفت أو ضلت - إلى جادة الرسالة الخاتمة، دونما حاجة إلى رسول جديد.
ولقد كان هذا الطور الجديد الذي ارتقت إليه الإنسانية، طورُ «الرشد» ، هو الذي حدّد الطابع الذي تميزت به «معجزة محمد صلى الله عليه وسلم» التي تحدى بها قومَه، فجاءت لذلك: معجزة عقلية - رغم أنها «نقل» و «وَحي» - فهي لا تدهش العقل ولا تذهله، وإنما هي تنضجه وترشده، وتجعله مناط التكليف، وتتخذه حكَما وحاكما في فقه مراميها واكتناه أسرار إعجازها، واستخراج البراهين والأحكام مما ضمّت من السور والآيات.
وهي - لهذا السبب - خالدة خلود الرسالة الخاتمة، لأن تأثيرها دائم الفعل والبرهنة. فهي ليست سفينة نوح عليه السلام، أو ناقة صالح عليه السلام، أو عصا موسى عليه السلام، أو إبراء عيسى عليه السلام للأكمه والأبرص ... إلى آخر المعجزات التي «أدهشت العقل» ، والتي وقف «إدهاشها» هذا عند حدود «الشهود» !
(1) - من مقال لعمارة بعنوان الفاتيكان والإسلام (8) د. محمد عمارة: بتاريخ 15 - 10 - 2007