فهرس الكتاب
ولأنها كانت التعبير عن بلوغ الإنسانية طور «رشدها» ، وعن اتساق «طبيعة إعجازها» مع هذا الطور الجديد، وجدناها تولي اهتمامها بكثير من القضايا التي تدعم من عوامل «رشد الإنسانية» ، والتي تُزيل بقايا الشبهات والخرافات والمعتقدات الباقية من المراحل السابقة، عندما كانت الإنسانية «خِرافًا ضالّة» تحتاج إلى «الوصاية الدائمة» من قِبل الرسل والأنبياء، ولا تؤمن إلا إذا «اندهش عقلُها» . وهي مراحل كانت «عقول» الأكثرية فيها تأبى أن تصدق اتصال السماء بالأرض عن طريق «بشر» ، فكانت تنزع إلى «رسل - ملائكة» نزوعَها إلى المعجزات «المدهشة للعقول» .
وانتهاء الطور الساذج من المسيرة التطورية للإنسان، والذي كانت تناسبه «الآيات - المعجزات» التي «تدهش العقل» . فلقد أخلى هذا الطور المكانَ لطور بلغت فيه الإنسانية «رشدها» . وإذا كان الإسلام هو الرسالة الخاتمة، وبها ارتفعت الوصاية عن الإنسان، فلا بد وأن يلعب «العقل» دَورًا قائدًا في «رشد» هذا الإنسان وفي «إرشاده» ؛ ومن ثم فإن «طبيعة الإعجاز» في معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا بد وأن تختلف عن طبيعتها في معجزات الرسل السابقين، إنها لن «تدهش العقل» ، بل ستتخذه حكَمًا وحاكمًا.
نعم، لقد وقف هذا السبب خلف إلحاح القرآن الكريم على «بشرية» محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم رغم أن هذه «البشرية» لم تكن موضع خلاف ولا موطن شبهات.
وبلوغ الإنسانية «طور الرشد» قد آذن بختام «طور النبوة والرسالة» ، الأمر الذي أفسح «للعقل الإنساني» مكانا عاليًا في «ترشيد» الإنسان و «هدايته» ... ولقد كان القرآن الكريم، بهذا المنطق، يقطع الطريق على كل المحاولات التي يمكن أن تظهر من ضعاف العقول، وضعاف الإيمان «بالعقل» ، ... وفي هذا الضوء وجب ويجب على العقل المسلم أن ينظر إلى كل القصص والأخبار التي نَسبت وتَنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، الخوارق المادية المدهشة للعقول، والتي هي من جنس معجزات الرسل الذين سبقت رسالاتهم رسالة الإسلام، عندما لم تكن البشرية قد بلغت سن الرشد الذي آذنت به رسالة الإسلام.
إن «بشرية الرسول» التي تؤكدها «معجزته - القرآن» ليست مجرد «تحصيل حاصل» ، وإنما هي «ثورة» على التصورات الجاهلية للأمم السابقة، عن «طبيعة الرسل» و «طبيعة المعجزات» . كانت كذلك عندما تحدث عنها القرآن الكريم، وهي لا تزال كذلك، «ثورة» على «التصورات» التي طرأت على أفكار ومواريث بعض التيارات الإسلامية التي استنامت للقصص الخرافي ولم تتخذ من العقلانية الإسلامية موقفًا ودّيًّا. [1]
وقال:[من المقولات العلمانية الشائعة - في دراسة اليقظة الإسلامية الحديثة - مقولة:
إن الخط البياني للتجديد والعقلانية في تاريخ هذه اليقظة كان خطًا هابطًا! .. فرشيد رضا [1282 - 1354 ه / ـ 1865 - 1935 م] كان خطوة إلى الوراء، بالقياس إلى جمال الدين الأفغاني [1254 -
(1) 1 - من مقال بعنوان ماذا تعني بشرية الرسول أ. د. محمد عمارة: يونيو 2006 المصري العدد 3