فهرس الكتاب
العامة منهم يؤخذون بسحر طقوسها، وكان الخاصة يتعلقون بتعاليمها النظرية. هذه التعاليم مزيج من الآراء والأساطير التي كانت شائعة حينذاك، وكان العهد عهد تخير بين الآراء وتوفيق بينها بعد تعارف الشعوب واختلاطها، فكانت الغنوسية تعدو على الأديان والمذاهب بالتأويل والتحوير، مدعية تحويلها إلى معنى أعمق. فعلت ذلك مع الأديان الوثنية ومع اليهودية فالمسيحية فالإسلام، فتفرقت فرقا كثيرة في أنحاء العالم اليوناني الروماني.
آراؤها الرئيسة المشتركة بين جميع الفرق ترجع إلى ما يأتي: في قمة الوجود الله الموجود المفارق اللامدرك، السكون، الهاوية. صدرت عنه أرواح يسمونها أيونات وأراكنة؛ صدرت زوجا فزوجا، ذكرا وأنثى، متضائلة في الألوهية كلما ابتعدت من المصدر. أراد أحدها أن يرتفع إلى مقام الله، فطرد من العالم المعقول. عن هذا الأيون أو الأركون الخاطئ صدرت أرواح شريرة مثله، وصدر العالم المحسوس الذي لم يكن ليوجد لولا الخطيئة، لأنه عالم شر ونقص، صانعه شرير، والمادة المصنوعة منها رديئة. وذلك الأيون هو الذي حبس النفوس البشرية في أجسامها، فكون الإنسان، ولكن النفوس تتوق إلى النجاة: نجاة في الحياة العاجلة من الجبرية المسيطرة على العالم السفلي بتأثير النجوم، ونجاة في الحياة الآجلة بالرغم من كيد الشياطين. غير أن الناجين قليل، فإن الناس طوائف ثلاث متمايزة بالطبيعة لا بالنية والإرادة فحسب: الطائفة الأولى الروحيون، وهم من أصل إلهي يكفل لهم النجاة، أولئك هم الغنوسيون صفوة البشر؛ والطائفة الثانية الماديون مركبون من المادة، وهي تعوقهم عن الصعود فوق العالم السفلي، والطائفة الثالثة الحيوانيون يؤلفون طبقة وسطى قابلة للارتفاع والسقوط، للنجاة والهلاك. ووسيلة النجاة قهر الجسم واطراح كل ما يثقل النفس ويمنعها من البلوغ إلى المقر الروحاني النوراني الذي هبطت منه. هذا في رأي فريق، بينما فريق آخر أطلق العنان للشهوة بحجة أن الجسم شيء دنيء عديم القيمة لا حساب له.
أصلها: ليس من العسير أن نتبين أصول هذا المذهب إذا ذكرنا أن أصحابه أفلاطونيون في جملتهم، فهو محاولة لتفسير الشر والنجاة منه، وكانت مسألة الشر الشغل الشاغل للأديان الشرقية، والمحور الذي تدور عليه، وكلها تبين أنها جازعة من الشر، متشبعة بفكرة التطهير والتفكير. وكانت الثنائية الفارسية قد ظنت أنها وفقت إلى الحل المنشود بالقول بإلهين الواحد خيِّر والآخر شرير. وكان اكسانوقراطس (48 م) عرض تأويلا ثنائيا لمذهب أفلاطون، فوضع مبدأين أولين، أحدهما خيِّر سماه"الواحد"والآخر شرير سماه"الاثنين". ولكن الغنوسيين رأوا أن الشر لا يمكن أن يكون ماهية أولى مقابلة لماهية الخير سواء بسواء، وقد قال أفلاطون إن الكمال أول والنقص تضاؤله، فوقفوا عند ثنائية نسبية لا تقول بمبدأين متكافئين، بل تعتبر صانع العالم المحسوس إلهًا ثانويا صار شريرا بإرادته بعد أن كان خيرا بطبيعته، فكانوا هنا متابعين أفلاطون من ناحية منحرفين عنه من ناحية: فإن أفلاطون يرجع تنظيم العالم المادي إلى صانع هو عنده أدنى من المثال الأعلى فيما يلوح إذ إنه يصوره بتأمل المثل ويصنع الأشياء على غرارها، ولكنه يجعل هذا الصانع خيرا ويجعل صنعه فيضا من خيره، حتى إذا ما أراد أن يبين أصل الشر عزاه إلى خطيئة ارتكبتها النفس في حياتها الأولى الروحية الخالصة - غير أن خطيئة النفس لا تفسر سوى شرها هي، والمطلوب تفسير الشر كله، وهو يبدو ملازما للعالم المحسوس، فوضعوا الخطيئة في إله أدنى وجعلوا منه صانع العالم. بذلك نزهوا الله عن الدنس بمماسة