وسئل الغزالي عن قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض} فأجاب: [لقد ارتقيت بسؤالك مرتقًا صعبا تنخفض دون أعاليه مرامي أعين الناظرين، وقرعت بابا مغلقا لا ينفتح إلا للعلماء الراسخين، ثم ليس كل سر يكشف ويفشى، ولا كل حقيقة تعرض وتجلى، بل صدور الأحرار قبور الأسرار، ولقد قال بعض العارفين إفشاء سر الربوبية كفر] [1] .
وقال عن العقل: [وقد سماه الله نورًا في قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة} ] [2] .
وقال: [فإن قيل فقوله تعالى {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} قلنا المراد بهذا. النور العقلي فههنا أربعة أشياء، المشكاة، والزجاجة، والمصباح، والزيتونة، وأما المشكاة فمثالها النفس، ومثال الزجاجة القوة الخيالية، والمصباح كالعقل، والزيتونة هي الشجرة العقل الفعال ... من حيث انفعلت الأشياء عنه] [3] .
وقال الغزالي: [مراتب العقل من الكتاب الإلهي: اعلم أن الله تعالى ذكر هذه المراتب في آية واحدة فقال: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم} فالمشكاة مثل للعقل الهيولاني فكما أن المشكاة مستعدة لأن يوضع فيها النور فكذلك النفس بالفطرة مستعدة لأن يفيض عليها نور العقل ثم إذا قويت أدنى قوة وحصلت لها مباديء المعقولات فهي الزجاجة فإن بلغت درجة تتمكن من تحصيل المعقولات بالفكرة الصائبة فهي الشجرة لأن الشجرة ذات أفنان فكذلك الفكرة ذات فنون فإن كانت أقوى وبلغت درجة الملكة فإن حصل لها المعقولات بالحدس فهي كالزيت فإن كانت أقوى من ذلك فيكاد زيتها يضيء فإن حصل له المعقولات كأنه يشاهدها ويطالعها فهو المصباح ثم إذا حصلت له المعقولات فهو نور على نور نور العقل المستفاد على نور العقل الفطري ثم هذه الأنوار مستفادة من سبب هذه الأنوار بالنسبة إليه كالسراج بالنسبة إلى نار عظيمة طبقت الأرض فتلك النار هي العقل الفعال المفيض لأنوار المعقولات على الأنفس البشرية] [4] .
وقال: [ولكون العقل شرعا من داخل قال تعالى في صفة العقل: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم} فسمى العقل دينا] [5] .
وقال: [حتى أن العقل الذي هو المبدع الأول لا يكون واحدا صرفا بل فيه اعتباران ولهذا صدر منه أكثر من الواحد] [6] .
وقال: [فإنك تجد العقل المستفاد رئيسا مطلقا ويخدمه الكل وهو الغاية القصوى ثم العقل بالفعل يخدمه العقل بالملكة والعقل الهيولاني لما فيه من الاستعداد يخدم العقل بالملكة ثم العقل العملي يخدم جميع هذا لأن
(1) - مشكاة الأنوار لأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، ص / 3.
(2) - إحياء علوم الدين (1/ 121) .
(3) - مجموعة رسائل الغزالي (1/ 96) .
(4) - معارج القدس، ص / 55.
(5) - معارج القدس، ص / 58.
(6) - معارج القدس، ص / 67.