فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 392

العاربة أو العبرانيين والأجلاف لتسارعوا إلى العناد واتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمانٌ معدوم أصلا ولهذا ورد التوحيد تشبيها كله ثم لم يرد في القرآن من الإشارة إلى هذا الأمر الأهم شيء ولا أتى بصريح ما يحتاج إليه من التوحيد ببيان مفصل بل أتى بعضه على سبيل التشبيه في الظاهر وبعضه تنزيها مطلقا عاما جدا لا تخصيص ولا تفسير له.

وأما أخبار التشبيه فأكثر من أن تحصى ولكن القوم لا يقبلونها وإذا كان الأمر في التوحيد هكذا فكيف فيما هو بعده من الأمور الاعتقادية، ولبعض الناس أن يقولوا إن للعرب توسعا في الكلام ومجازا وإن ألفاظ التشبيه مثل اليد والوجه والإتيان في ظل الغمام والمجيء والذهاب والضحك والحياة والغضب صحيحة ولكن نحو الاستعمال وجهة العبارة يدل على استعمالها استعارة ومجازا ويدل على استعمالها غير مجاز ولا مستعارة بل محققة ... ثم هب أن هذا كله مأخوذ عن الاستعارة فأين النصوص المشيرة إلى التصريح بالتوحيد المحض وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المستندة إلى علم التوحيد، مثل أنه عالم بالذات أو عالم بعلم، فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة لخطاب الجمهور بما يفهمون مقربا ما لا يفهمون إلى أفهامهم بالتشبيه والتمثيل، ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة وكيف يكون ظاهر الشرع حجة في هذا الباب ولو فرضنا الأمور الأخروية روحانية غير مجسمة بعيدة عن إدراك بداية الأذهان لحقيقتها لم يكن سبيل الشرائع في الدعوة إليها والتحذير عنها مبهما بالدلالة عليها بل بالتعبير عنها بوجوده من التمثيلات المقربة إلى الأفهام، فهذا كله هو الكلام على تعريف من طلب أن خاصا من الناس لا عاما وأن ظاهر الشرائع غير محتج به في مثل هذه الأبواب] [1] .

ومؤدَّى هذا الكلام أن الأنبياء قرّروا الشرائع بقدر أفهام العوام، وخاطبوهم على قدر عقولهم، وشبهوا ومثلوا لهم، وبالتالي فكلام الشارع أي القرآن والسنة ليس هو حقيقة التوحيد والشرع؛ بل الحقيقة شيء آخر يفهمه الفلاسفة، ولكن الأنبياء قالوا هذا الكلام ليناسب عقول العوام، وكفى بهذا كفرًا.

وجاء التطوير الأول لقانون إبليس الذي وضعه إبليس أولًا على لسان ابن سينا، ثم جاء هذا التطوير على لسان الفيلسوف ابن رشد ليجعله أكثر قبولًا فقال: [إن الشريعة قسمان ظاهر ومؤوّل وأن الظاهر منها هو فرض الجمهور وأن المؤوّل هو فرض العلماء وأما الجمهور ففرضهم فيه حمله على ظاهره وترك تأويله وإنه لا يحل للعلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور] [2] .

ثم وضع القانون بشكله الصريح عنده فقال في كتابه:"فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" [فإن أدّى النظر البرهاني إلى نحو مّا من المعرفة بوجود ما فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه في الشرع أو عرف به وإن كانت الشريعة نطقت به، فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقا لما أدى إليه البرهان أو مخالفا فإن كان موافقا فلا قول هناك، وإن كان مخالفا طلب هناك التأويل، ونحن نقطع أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي] [3] .

ولما اشتهرت دراسة الفلسفة عند علماء أهل الكلام وهم الأشاعرة والماتريدية، تأثر هؤلاء تأثرًا بالغًا

(1) - رسالة أضحوية في أمر المعاد لابن سينا. تحقيق سليمان دنيا، ص / 44 - 51.

(2) - مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد. تحقيق د. محمد قاسم، ص / 132 - 133.

(3) - فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال لابن سينا، ص / 15 - 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت