بالفلاسفة، بل لقد قالوا نفس مقالتهم.
وهذا هو القاضي محمد بن أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المالكي يقول عن الغزالي: [شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج فما قدر] وقالوا عنه أيضًا: [بلع الفلسفة ثم أراد أن يتقيأها فلم يستطع] ، وقال عنه آخرون [أمرضه الشفاء] [1] . أي كتاب الشفاء لابن سينا.
2 -القانون بين يدي الأشاعرة:
فتلقفَ هؤلاء كلام الفلاسفة وصاغوه على أسلوبهم، وهذه المرحلة الثالثة للقانون، إذ أن المرحلة الأولى مرحلة فلاسفة اليونان والماسونية والثانية مرحة الفلاسفة المنتسبين زورًا إلى الإسلام فقال الجويني في كتابه الإرشاد: [اعلموا وفقكم الله أن أصول العقائد تنقسم إلى ما يدرك عقلا ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعا، وإلى ما يدرك سمعا ولا يتقدر إدراكه عقلا، وإلى ما يجوز إدراكه سمعا وعقلًا .... فإذا ثبتت هذه المقدمة فيتعين بعدها على كل معتن بالدين واثق بعقله أن ينظر فيما تعلقت به الأدلة السمعية، فإن صادفه غير مستحيل بالعقل وكانت الأدلة السمعية قاطعة في طرقها لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها ولا في تأويلها، فما هذا سبيله فلا وجه إلا القطع به، وإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة ولم يكن مضمونها مستحيلا في العقل وتثبت أصولها قطعا ولكن طريق التأويل يجول فيه فلا سبيل إلى القطع، ولكن المتدين يغلب على ظنه بثبوت ما دل الدليل السمعي على ثبوته وإن لم يكن قاطعا، وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفا لقضية العقل فهو مردود قطعا، لأن الشرع لا يخالف العقل ولا يتصور في هذا القسم ثبوت سمع قاطع ولا خفاء به] [2] .
3 -القانون في مرحلة الغزالي:
لقد قدّمنا عن تأثر الغزالي بالفلاسفة، وابن سينا على وجه الخصوص حتى بحقده على العرب فقال ابن سينا مثلا: [ولو ألقي هذا على هذه الصورة إلى العرب العاربة أو العبرانيين والأجلاف لتسارعوا إلى العناد] [3] .
وها هو الغزالي يقول: [والعقل مبلغ العلم ومطلعه وأساسه، والعلم يجري فيه مجرى الثمرة من الشجرة والنور من الشمس والرؤية من العين، فكيف لا يشرّف وكيف يستراب به والبهمية مع قصور تمييزها تحتشم العقل حتى إن أعظم البهائم بدنا وأشدها ضراوة وأقواها سطوة إذا رأى صورة الإنسان احتشمه وهابه ولذلك ترى الأتراك والأكراد وأجلاف العرب وسائر الخلق مع قرب منزلتهم من رتبة البهائم يوقرون الشيوخ بالطبع] [4] .
وما قال الغزالي هذا الكلام إلا تقليدًا أعمى لابن سينا مع أنه يكفره، وأشياء أخرى ستذكر في مناسبتها، ولكن البعض أجَّروا عقولهم، أو أنهم ينفذون تعليمات الماسونية دون تفكير، ويريدون أن يخضعوا القرآن والسنة لهذه العقول
(1) - انظر مبحث أبوحامد الغزالي والفلسفة من كتاب: أبوحامد الغزالي والتصوف لعبد الرحمن دمشقية.
(2) - الإرشاد، ص / 358 وما بعدها.
(3) - رسالة أضحوية، ص / 46.
(4) - إحياء علوم الدين (1/ 121) طبعة دار الهادي.