المؤجَّرة، أو للأوامر الصادرة.
سقنا هذه الفقرة كإشارة لتأثر الغزالي وغيره من علماء الكلام بآراء الفلاسفة، والآن ننظر كيف صار القانون بمرحلته الرابعة على يد الغزالي.
لقد سأله أبو بكر بن العربي المالكي أسئلة فأجاب عنها بما سمّاه بالقانون فقال: [أسئلة أكره الخوض فيها والجواب، لأسباب عدة لكن إذا تكررت المراجعة أذكر قانونا كليا ينتفع به في هذا النمط وأقول:
بين المعقول والمنقول تصادم في أول النظر وظاهر الفكر، والخائضون فيه تحزبوا إلى مفرِّط بتجريد النظر إلى المنقول وإلى مفرِط بتجريد النظر إلى المعقول، وإلى متوسط طمع في الجمع والتلفيق.
والمتوسطون انقسموا إلى من جعل المعقول أصلا، والمنقول تابعا، فلم تشتد عنايتهم بالبحث عنه، وإلى من جعل المنقول أصلا، والمعقول تابعا، فلم تشتد عنايتهم بالبحث عنه، وإلى من جعل كل واحد أصلًا ويسعى في التأليف والتوفيق بينهما. فهم إذن خمس فرق:
الفرقة الأولى: هم الذين جرّدوا النظر إلى المنقول، وهم الواقفون على المنزل الأول من منازل الطريق القانعون بما سبق إلى أفهامهم من ظاهر المسموع، فهؤلاء صدقوا بما جاء به النقل تفصيلًا وتأصيلًا، وإذا شوفهوا بإظهار تناقض في ظاهر المنقول وكلفوا تأويلا امتنعوا وقالوا: إن الله قادر على كل شيء. فإذا قيل لهم مثلًا: كيف يرى شخص الشيطان في حالة واحدة في مكانين، وعلى صورتين مختلفتين؟ قالوا: إن ذلك ليس عجبا في قدرة الله، فإن الله قادر على كل شيء، وربما لم يتحاشوا أن يقولوا: إن كون الشخص الواحد في مكانين في حالة واحدة مقدور لله تعالى.
والفرقة الثانية: تباعدوا عن هؤلاء إلى الطرف الأقصى المقابل لهم، وجردوا النظر إلى المعقول، ولم يكترثوا بالنقل، فإن سمعوا في الشرع ما يوافقهم قبلوه، وإن سمعوا ما يخالف عقولهم زعموا أن ذلك صوره الأنبياء، وأنه يجب عليهم النزول إلى حد العوام، وربما يحتاج أ ن يذكر الشيء على خلاف ما هو عليه. فكل ما لم يوفق عقولهم حملوه على هذا المحمل. فهؤلاء غلوا في المعقول حتى كفروا، إذ نسبوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الكذب لأجل المصلحة.
ولا خلاف بين الأمة أن من جوز ذلك على الأنبياء صلوات الله عليهم يجب حز رقبته. وأما الأولون فإنهم قصروا طلبا للسلامة من خطر التأويل والبحث، فنزلوا بساحة الجهل، واطمأنوا بها. إلا أن حال هؤلاء أقرب من حال أولئك، فإن تخلص هؤلاء عن المضايق بقولهم: إن الله على كل شيء قدير، ونحن لا نقف على كنه عجائب أمر الله، ومخلص أولئك بأن قالوا: إن النبي إنما ذكر ما ذكره على خلاف ما علمه للمصلحة. ولا يخفى ما بين المخلصين من الفرق في الخطر والسلامة.
والفرقة الثالثة: جعلوا المعقول أصلا، فطال بحثهم عنه وضعف عنايتهم بالمنقول، فلم تجتمع عندهم الظواهر المتعارضة المتصادمة في بادئ الرأي، وأول الفكر المخالفة للمعقول، فلم يقعوا في غمرة الإشكال، لكن ما سمعوه من الظواهر المخالفة للمعقول جحدوه وأنكروه وكذبوا راويه، إلا ما يتواتر عندهم كالقرآن أو ما قرب تأويله من ألفاظ الحديث، وما شق عليهم تأويله جحدوه حذرا من الإبعاد في التأويل. فرأوا التوقف عن القبول