أولى من الإبعاد في التأويل، ولا يخفى ما في هذا الرأي من الخطر في رد الأحاديث الصحيحة المنقولة عن الثقات الذين بهم وصل الشرع إلينا.
والفرقة الرابعة: جعلوا المنقول أصلًا، وطالت ممارستهم له فاجتمع عندهم الظواهر الكثيرة، وتطرفوا من المعقول ولم يغوصوا فيه، فظهر لهم التصادم بين المنقول والظواهر في بعض أطراف المعقولات. ولكن لما لم يكثر خوضهم في المعقول، ولم يغوصوا فيه، لم يتبين عندهم المحالات العقلية، لأن المحالات بعضها يدرك بدقيق النظر وطويله الذي ينبني على مقدمات كثيرة متوالية، ثم انضاف إليه أمر آخر وهو: أن كل ما لم يعلم استحالته حكموا بإمكانه. ولم يعلموا أن الأقسام ثلاثة: قسم علم استحالته بالدليل، وقسم علم إمكانه بالدليل، وقسم لم يعلم استحالته ولا إمكانه. وهذا القسم الثالث جرت عادتهم بالحكم بإمكانه، إذ لم يظهر لهم استحالته، وهذا خطأ، كمن يحكم باستحالته إذا لم يظهر إمكانه، بل من الأقسام ما لم يعلم إمكانه ولا استحالته، إما لأنه موقف العقل وليس في القوة البشرية الإحاطة به، وإما لقصور هذا الناظر خاصة وعدم عثوره على دليله بنفسه وفقده لمن ينبهه عليه.
ومثال الأول من حس البصر: قصور الحس البصري عن أن يعرف عدد الكواكب أنه زوج أو فرد، وأن يدرك عظم الكواكب مع بعدها على ما هي عليه.
ومثال الثاني، وهو القصور الخاص: قصور حس بعض الناس عن أن يدرك منازل القمر وظهور أربع عشر منها في كل حال، وخفاء أربع عشر مقابل درج المنازل في الغروب والشروق، وغير ذلك مما وقف عليه بعض الناس بحس البصر دون بعض. كذلك يتطرق إلى إدراك العقل مثل هذا النوع من التفاوت. وهؤلاء لما قل خوضهم في المعقولات لم يكثر عندهم المحالات فكفوا مؤونة عظيمة في أكثر التأويلات، إذ لم ينتبهوا للحاجة إلى التأويل كالذي لم يظهر له أن كون الله بجهة محال، إذ استغنى عن تأويل الفوق والاستواء وكل ما يشير إلى الجهة.
والفرقة الخامسة: هي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول، الجاعلة كل واحد منهما أصلًا مهمًّا، المنكرة لتعارض العقل والشرع وكونه حقا، ومن كذب العقل فقد كذب الشرع، إذ بالعقل عرف صدق الشرع ولو لا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي، والصادق والكاذب، وكيف يُكَذَّبُ العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلا بالعقل.
وهؤلاء هم الفرقة المحقة. وقد نهجوا منهجًا قويمًا، إلا أنهم ارتقوا مرتقى صعبًا، وطلبوا مطلبا عظيمًا، وسلكوا سبيلًا شاقًا، فلقد تشوفوا إلى مطمعٍ ما أعصاه، وانتهجوا مسلكًا ما أوعره. ولعمري أن ذلك سهل يسير في بعض الأمور، ولكن شاق عسير في الأكثر.
نعم، من طالت ممارسته للعلوم وكثر خوضه فيها يقدر على التلفيق بين المعقول والمنقول في الأكثر بتأويلات قريبة، ويبقى لا محالة عليه موضعان: موضع يضطر فيه إلى تأويلات بعيدة تكاد تنبو الأفهام عنها، وموضع آخر لا يتبين له فيه وجه التأويل أصلًا، فيكون ذلك مشكلًا عليه من جنس الحروف المذكورة في أول السور إذا لم يصح فيها معنى بالنقل. ومن ظن أنه سلم عن هذين الأمرين فهو إما لقصوره في المعقول وتباعده عن معرفة المحالات النظرية، فيرى ما لا يعرف استحالته ممكنًا، وإما لقصوره عن مطالعة الأخبار ليجتمع له من مفرداتها ما يكثر